فهرس الكتاب

الصفحة 809 من 27345

كم تتألم وتتفطر قلوبنا حين نرى هذه الأوصاف في بعض المسلمين، الذين يهرعون إلى كل مطمع يلوح لهم، ويخونون في سبيله كل وعد مقدس، وكل عهد مصون وأبرز ما تكون هذه الأخلاقيات في بعض الساسة الذين يخونون الله والرسول ويخونون أمتهم وبلدانهم وما أكثرهم في هذا الزمن زمن الغدر والخيانة.

ويكفي فاقد الأمانة ما يلقاه في الدنيا من مهانة وصغار حين ينكشف أمره ويهتك ستره.. وإنما يجد الأمانة التي ضيعها وخانها متمثلة له يوم القيامة عند الصراط، لتهوي به من فوق الصراط إلى قعر جهنم والعياذ بالله تعالى جزاء ما ضيع منها وفرط فيها.

كما جاء في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث الشفاعة العظمى"وترسل الأمانة والرحم فتقومان جنبتي الصراط يمينًا وشمالًا.. إلى أن يقول وبينكم قائم على الصراط يقول: رب سلم سلم.. قال وفي حافتي الصراط كلاليب معلقة، مأمورة بأخذ من أمرت به، فمخدوش ناج، ومكدوس في النار"قال أبو هريرة راوي الحديث: والذي نفس أبي هريرة بيده: إن قعر جهنم لسبعون خريفًا.

فهنيئًا لمن قام بحق الأمانة فجرى على الصراط ونجى من عذاب جهنم .. والحسرة والندامة على من تساهل فخان أمانته وضيع وسقط في الغدر، والشهوة العارضة أو الحقد الأعمى الذي يحمله على الخيانة والغدر والنكث.

من صور الأمانة العملية: أن تنصح من استشارك وأن تصدق من وثق برأيك، فقد جاء في الحديث الذي أخرجه الترمذي وأبو داؤود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"المستشار مؤتمن"ومن أشار على أخيه بأمر يعلم أن الرشد في غيره فقد خانه.

وماذا يكون قد بقى فيه من الخير من أشار على أخيه بما لا ينفعه بل ربما يضره.

لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤكد على خلق الأمانة ويوصي بها أصحابه فقد كان يودع من أراد سفرًا من أصحابه ويقول له:"أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك".

وأمر المجاهدين وهم في أرض المعركة بالأمانة ونهاهم عن الغدر والخيانة والغلول ويقول لهم:"لا تغلوا ولا تغدروا ولا تقتلوا وليدا"وأمر القاعدين الذين يخلفون المجاهدين في أهلهم بخير أمرهم بالأمانة وحذرهم من الخيانة فقال عليه الصلاة والسلام كما جاء في مسند الإمام أحمد وصحيح مسلم:"وما من رجل من القاعدين يخلف رجلًا من المجاهدين في أهله فيخون فيهم إلا وقف له يوم القيامة، فيأخذ من عمله ما شاء فما ظنكم؟"يعني هل تظنون أنه يُبقي من حسناته شيئًا؟ ومن الأمانات الواجب حفظها والحرص عليها حفظ أسرار الناس ، وستر عوراتهم وكتمان أحاديث مجالسهم فقد ورد في الحديث"المجالس بالأمانة"وإن لم يوصِ المتحدث بكتمان حديثه الخاص إليك اعتمادًا على ثقته بك، فإنه لا يجوز لك أن تشيع حديثه إلا بإذنه وعلمه لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه أحمد والترمذي:"إذا حدث الرجل بحديث ثم التفت فهو أمانة"والمعنى إذا حدثك ثم غادر المجلس والتفت يمينًا وشمالًا حرصًا على أن لا يسمعه إلا من يتحدث إليه ، فكل ذلك أمانة لا يجوز التفريط فيها. قال الإمام الغزالي رحمه الله: وإفشاء السر خيانة وهو حرام، إذا كان فيه إضرار وإن من صور الخيانة التصنت على الناس والتجسس عليهم والإطلاع على أسرارهم وعوراتهم وهم آمنون في بيوتهم..

ومما ابتدعه الكفار وصدروه إلينا مراقبة المكالمات الهاتفية والاستماع إليها وتصيد العثرات والإطلاع على أسرار البيوت واقتحام لحرماتها.. ولا يفعل ذلك إلا فاسد الفطرة ساقط الهمة محاد لله ولرسوله وللمؤمنين.

ولا يجوز لمسلم أن يفعل ذلك وعلى من ابتلي بشيء من ذلك أن يتوب إلى الله عز وجل وأن يقلع فورًا عن هذه الخيانات والغدرات.. قبل أن ينزل به الموت وينقله من هذه الدار إلى الدار الآخرة فيندم حيث لا ينفع الندم. يقول الله عز وجل موجهًا عباده المؤمنين ? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ ? [الحجرات:12] .

الخطبة الثانية:

إن ضياع الأمانة من حياة الناس وفشو الغدر والخيانة من علامات الساعة وأشراطها. حيث تتقلب الموازين وتضطرب المقاييس وتفسد الأخلاق والقيم والتعاليم كما في صحيح سنن ابن ماجة وغيره"سيأتي على الناس سنوات خداعات ، يصدق فيها الكاذب ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخون فيها الأمين وينطق فيها الرويبضة في أمر العامة ، قيل وما الرويبضة قال: الرجل التافه"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت