ذكر الإمام ابن القيم في كتابه"عدة الصابرين"عن يزيد بن ميسرة قال: كان رجل ممن مضى جمع مالًا فأوعى، ثم أقبل على نفسه وهو في أهله فقال: أنعم سنين!! فأتاه ملك الموت فقرع الباب في صورة مسكين، فخرجوا إليه فقال: ادعوا لي صاحب الدار. فقالوا: يخرج سيدنا إلى مثلك؟! ثم مكث قليلًا. ثم عاد فقرع الباب وصنع مثل ذلك وقال: أخبروه أني ملك الموت. فلما سمع سيدهم قعد فزعًا، وقال: لينوا له الكلام. قالوا: ما تريد غير سيدنا بارك الله فيك؟ قال: لا. فدخل عليه فقال: قم فأوص ما كنت موصيًا فإني قابض نفسك قبل أن أخرج. قال: فصرخ أهله وبكوا. ثم قال: افتحوا الصناديق، وافتحوا أوعية المال. ففتحوها جميعا، فأقبل على المال يلعنه ويسبه يقول: لعنت من مال، أنت الذي أنسيتني ربي، وشغلتني عن العمل لآخرتي حتى بلغني أجلي.
فتكلم المال فقال: لا تسبني! ألم تكن وضيعًا في أعين الناس فرفعتك؟ ألم ير عليك من أثري؟ أما كنت تحضر مجالس الملوك والسادة فتدخل، ويحضر عباد الله الصالحون فلا يدخلون؟ ألم تكن تخطب بنات الملوك والسادة فتنكح، ويخطب عباد الله الصالحون فلا ينكحون؟ ألم تكن تنفقني في سبيل الخبث فلا أتعاصى؟ ولو أنفقتني في سبيل الله لم أتعاص عليك.. أنت ألوم مني، إنما خلقت أنا وأنتم يا بني آدم من تراب، فمنطلق ببر، ومنطلق بإثم.. هكذا يقول المال فاحذروا.
فيا أخي الحبيب: حاسب نفسك في خلوتك، وتفكر في سرعة انقراض مدتك، واعمل بجد واجتهاد في زمان فراغك لوقت حاجتك وشدتك، وتدبر قبل الفعل ما يملى في صحيفتك، فأين الذي جمعته من الأموال؟ أأنقذك من البلى والأهوال؟ كلا بل تتركه إلى من لا يحمدك، وتقدم بأوزار على من لا يعذرك.
فلا تكن أخي ممن قيل فيه:
ومنتظرللموت في كل لحظة *** يشيد ويبني دائمًا ويحصن
له حين تبلوه حقيقة موقن *** وأعماله أعمال من ليس يوقن
عيان كإنكار وكالجهل علمه *** بمذهبه في كل ما يتيقن
كيف نستقبل الزائر الأخير؟
إخي الحبيب: ويستقبل الزائر الأخير:
1-بالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره.
2-بالمحافطة على الصلوات الخمس في أوقاتها في المساجد جماعة مع المسلمين مع تحري الخشوع فيها والتفكير في معانيها، وصلاة المرأة في بيتها أفضل.
3-بإخراج الزكاة المفروضة في أوقاتها وحسب مقاديرها وصفاتها الشرعية.
4-بصوم رمضان إيمانًا واحتسابًا.
5-بالحج المبرور فإنه ليس له ثواب إلا الجنة، وعمرة في رمضان تعدل حجة مع النبي .
6-بأداء النوافل وهي ما زاد على الفرائض من الصلوات والزكوات والصيام والحج، قال تعالى في الحديث القدسي: { ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه } .
7-بالمبادرة إلى التوبة النصوح من كل المعاصي والمنكرات، وبعقد العزم على تعمير الأوقات بكثرة الاستغفار والذكر وأنواع الطاعات.
8-بالإخلاص لله تعالى وترك الرياء في كل أمر كما قال لسبحانه: وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الذين حنفاء [البينة:5] .
9-بحب الله ورسوله ، ولا يتم ذلك إلا باتباع النبي محمد كما قال سبحانه: قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم [آل عمران:31] .
10-بالحب في الله والبغض في الله، والموالاة في الله والمعاداة في الله، وهذا يقتضي محبة المؤمنين وإن بعدوا، وبغض الكافرين وإن قربوا.
وكل محبة في الله تبقى ** على الحالين من فرج وضيق
وكل محبة فيما سواه *** فكالحلفاء في لهب الحريق
11-بالخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والرضا بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل، وهذا حقيقة التقوى.
12-بالصبر عند البلاء، والشكر عند الرخاء، والمراقبة لله تعالى في السر والعلن، والرجاء لما عنده من الأفضال والمنن.
13-بحسن التوكل على الله عز وجل لقوله تعالى: وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين [المائدة:23] .
14-بطلب الكلم النافع والسعي في نشره وتعليمه لقوله تعالى: يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات [المجادلة:11] ، وقوله سبحانه: لتبيننه للناس ولا تكتمونة [آل عمران:187] .
15-بتعظيم القرآن المجيد بتعلمه وتعليمه، وحفظ حدوده وأحكامه، وعلم حلاله وحرامه، لقول النبي صين: { خيركم من تعلم القران وعلمه } [واه البخاري] .
16-بالجهاد في سبيل الله، والمرابطة في سبيله، والثبات للعدو وترك الفرار من الزحف لقوله: { لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف } [متفق عليه] .
17-بحفظ اللسان عن المحرمات كالكذب والغيبة والنميمة والسب واللعن والفحش من القول والغناء. قال النبي: { من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت } [متفق عليه] .
18-بالوفاء بالعهود، وأداء الأمانات إلى أهلها، وترك الخيانة والغدر، قال تعالى: أوفوا بالعقود [المائدة:1] ، وقال: فليؤد الذي اؤتمن أمانته [البقرة:283] .