3-يحاول الباحثون في الفكر الغربي تقسيمه إلى فكرين: فكر مادي، وفكر وجودي؛ أما الفكر المادي، فهو الفكر العلماني الذي انبعثت منه المناهج السياسية والاقتصادية، سواء الديمقراطية منها، أم الماركسية؛ أما الفكر الوجودي فهو الفكر الإنساني المتصل بالوجدان والنفس والحياة؛ ويرى أتباع الفكر الوجودي أن الفكر المادي صهر الإنسان، وحوله إلى ترس في آلة، ولذلك فهو يبحث عن وجوده، ويريد أن يختار موقفه في الحياة وطريقه، ويتحمل مسؤولية اختياره، ثم يخطو سارتر بالفكر الوجودي خطوة أخرى، فيتحرك داخل إطار الفكر المادي، فينكر الإله والبعث والجزاء، ثم يتجه مرة أخرى إلى الارتباط بالفكر ###86### الماركسي، ثم يأتي مذهب الشخصاينة: فرع من الفكر الوجودي، فيختلف معه.
ونظرنتا نحن أخل الفكر الإسلامي إلى ذلك كله، هي نظرة واحدة، فالفكر الغربي منذ انفصل عن المسيحية، وما زال يصارع في سبيل تكوين منهج للحياة ومفهوم للنفس والإنسان، وهو ما يزال مضطربًا غاية الاضطراب، متحولا دائم التحول لا يتوقف عن الجري إلى غاية غير واضحة.
قد سيطر الاتجاه المادي على الفكر الغربي في طرفيه الليبرالي والماركسي، وسيطر على الفكر النفسي فرويد، والفكر المتصل بوجود الإنسان والوجودية، وسيطرة الاتجاه المادي تعني غلبته الكاملة على الوجهة بحيث لم يعد هناك سبيل للاعتراف بالجانب الديني والروحي الذي يشكل الشق الثاني للتكوين الإنساني، والذي يفقد الإنسان بتجاهله وحجبه الضوء الصحيح إلى الطريق الصحيح.
ومن هنا فنحن نرى ثمرة الوجودية واضحة أشد الوضوح في آثارها وإنتاجها وكتاباتها، وهي مزيج من التشاؤم والقلق والاغتراب والخوف من الموت والتمزق والضياع.
وتمكن القول بأن الفلسفة المادية أنشأت الآن فلسفة الجماعة في الماركسية، وفلسفة الفرد ممثلة في الوجودية.
###87### ومعنى هذا أن كلا من المذاهب الثلاث: الماركسية؛ والفرويدية، والوجودية، قد انبثق من المذهب المادي، واختار فكرة العدمية، وإنكار وجود الله أساسًا له. وهذه المذاهب ليست إلا امتدادًا للحملات التي بدأت في الفكر الغربي ممثلة في فولتير ونيتشة وكير كجورد، وموجهة إلى الدين، وإذا كان ماركس قد افترض أن تفسير التاريخ والإنسان أن يبدأ من الطعام، وأن الفردية جعلت حركة الإنسان منبعثة من الغريزة، فإن الوجودية ترمي إلى كسر جميع القيود والضوابط سواء منها الدينية أو الاجتماعية او الأخلاقية التي تحيط بالإنسان، حتى يتمكن من تحقيق ذاته منفصلا عن كل قيد، وفي سبيل هدف الوجودية هذا، ولانفصالها عن الشطر الروحي والديني القائم في أعماق الإنسان، وجدت الوجودية أن العالم كله خداع، وأن الإنسان موجود بدون سبب، وأن العالم يمضي لغير غاية.
ومن حق الوجودية أن تفهم هذا، لأن الإجابة الصحيحة التي تكشف عن هدف وجود الإنسان، وغاية العالم إنما تكمن في الدعوة التي وجهتها الأديان إلى الإنسان من خالقه لتفسير ما ليس في استطاعته الوصول إليه دون عون من الوحي والنبوة ورسالة السماء.
###88### فإذا تجرد الإنسان باعتناق الوجودية من هذا الفهم، فإنما تبدو الحياة له وهمًا كبيرًا، وظلامًا كبيرًا، لأن الغاية الحقيقية التي جاء من أجلها، قد أصبحت محجوبة عنه.
وتصدق الوجودية حين ترى أن أزمة العصر هي غربة الإنسان، ونقصد هنا الإنسان الغربي، وذلك حين نرى أن التقدم التكنولوجي قد جعل منه ترسًا في ماكينة أو قطعة غيار في جهاز، ولكن المسلم ليس كذلك، ولا يفهم هذا الفهم لأن دينه علمه مهمته ورسالته، وكشف له عن الغاية، وبذلك عرف أن له دورًا وسعيًا وحركة واسعة، هو مقبل عليها في صدق وإيمان، لأنه يعرف أن من وراء سعيه كسبًا حقيقيًا وبلوغًا لدرجة أرقى ومكانة أعظم، ثم إن المسلم يؤمن بأنه له إرادة مسؤولة يجزى عليها بالخير، أو بالشر في حياة أخرى، وأنه مطالب بأن يخوض معركة الحياة في أخلاقية التقوى والثقة بالله والرحمة بالإنسان، ومن هنا يحس أن حياته جزلة وعامرة وحافلة بالضياء والخير.
وهو في سعيه إلى الغاية الربانية، وفي توكله على الله واستعانته به لا يواجه أبدًا أزمة القلق ولا أزمة التشاؤم، ولا يخاف الموت، فالحياة الإسلامية التي تعرف أبعاد وجودها ورسالتها وغايتها جميعًا تواجه الحياة مواجهة الطمأنينة ###89### والسكينة، والعمل الجاد الدائب دون أن تفقد لحظة واحدة وجهتها، أو تقع في بيداءا اليأس سواء أكانت الحياة يسيرة أو عسيرة، فإن النفس المسلمة ترضى باليسير، وإذا جاء العصر، جالدته صابرة حتى ينطوي دون أن تحس بالقلق أو الحزن.
وهي تعرف أن مع العسر يسرًا، وأن الفرج مع الكرب.