فهرس الكتاب

الصفحة 4373 من 27345

ومن خلال ما ذكرنا يتضح خطأ صاحب كتاب الاستدلال بالظني في العقيدة ص 19 وهذا نصه: (وإذا تتبعنا الكثير من النصوص التي وردت فيها كلمة الظن سواء كانت في القرآن ، أم في الأحاديث الشريفة ، أم في شعر العرب من الطبقة التي يستشهد بشعرها ، لوجدنا أن كلمة الظن لا تفيد إلا معنى واحدًا ، وهو مدلولها اللغوي الوضعي حسبما أوردته المعاجم والقواميس اللغوية ، فهي ترجيح أحد الاحتمالين على الآخر ، وذلك لتميزها عن كلمة الشك التي تفيد تساوي الاحتمالين من غير ترجيح . كما أنها ليست من الألفاظ المتعاضدة مثل كلمة القرء بمعنى الطهر والحيض ، وكذلك ليست من الألفاظ المشتركة مثل العين المبصرة ، والذهب والجاسوس ، ويخطئ من يقول بأن كلمة الظن من الأضداد أي إنها تفيد الظن ، وتفيد العلم سواء كان القائل من علماء اللغة أو غيرها . أهـ

ويظهر التناقض في هذا القول إذ يقول صاحبه: ويخطئ من يقول بأن كلمة الظن تفيد اليقين وإن كان القائل من علماء اللغة . ومفهوم هذا القول ، إن هنالك من العلماء من يقول بأن كلمة الظن تفيد اليقين كما أوردنا ذلك عن بعض أهل العلم آنفا ، فأصبح ما قاله اجتهادًا لا يقينا فانظر إلى هذا التناقض !

قال أبو العباس أحد علماء اللغة في مثل هذا الأمر: ( إنما جاز أن يقع الظن واليقين لأنه قول القلب فإذا صحت دلائل الحق وقامت أماراته كان يقينًا ، وإذا قامت دلائل الشك وبطلت دلائل اليقين كان كذبًا ، وإذا اعتدلت دلائل اليقين والشك كان على بابه شكًا لا يقينًا ولا كذبًا . الأضداد لمحمد بن القاسم الأنباري .

ومما يؤكد خطأ القول بأن الظن لا يفيد إلا الترجيح بين قولين أحدهما راجح ، والآخر مرجوحًا:

1: ما جاءت به الآيات القرآنية إذ دل سياقها على التفريق بين معنى الظن في عدة مواضع كما أشرنا إلى ذلك ، فعلى سبيل المثال قوله تعالى: (الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ) . (46) البقرة فالظن هنا بمعنى اليقين ، إذ لا يجوز في هذا الموطن أن يكون الظن بمعنى الترجيح بين الاحتمالين ، وذلك أن الأمر متعلق بالإيمان باليوم الآخر ، وهذا لا يقوم إلا على يقين ، فلو كان المعنى ما ذهبوا إليه لكان جائزًا أن يدخل شيء من الريب فيما يتعلق بالمعتقد ، وهذا باطل بلا شك .

2: إن الظن الذي ورد في الآية المباركة جاء في سياق المدح ، والظن الذي نهى الله سبحانه عن اتباعه جاء في سياق الذم ، وبين المدح والذم بون عظيم .

3: إن الظن الوارد في الآية متعلق بالإيمان باليوم الآخر ،وهو مسألة في صميم العقيدة ، وهو مما طلب الإيمان به ، ومن المعلوم ضرورة أن الاعتقاد لا ينبني إلا على اليقين .

وإليك آية تبين الفرق بين معنى الظن بيانًا واضحًا: قال تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَونُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا(101) قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَآئِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَونُ مَثْبُورًا ) . الإسراء (102) ولا ريب أن ظن موسى عليه السلام مبني على اليقين والثقة بالله سبحانه إذ وعد الله سبحانه الظالمين بالهلاك إذ قال وقوله الحق: ( أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ ) . الدخان (37) وأما ظن فرعون فهو قائم على الجهد والتكذيب قال تعالى: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ) . النمل (14) والفرق بين الظنين واضح .

ولكن الذي حمل أصحاب هذا الرأي على القول بأن الظن لا يفيد إلا الترجيح بين الاحتمالين ، فرارهم من بناء أصلهم هذا على الظن الذي حذروا الناس من إتباعه ، فلو سلموا بأن الظن يحتمل عدة وجوه كما أسلفنا لأقروا بخطأ منهجهم وبعده عن الصراط القويم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت