فهرس الكتاب

الصفحة 4155 من 27345

إن الإيمان علوه لا ينكسر في هزيمة عسكرية، ولا بانحسار مادي، ولا بضعف في صناعة أو غير ذلك، أهل الإيمان لا يعلو شأنهم، ولا يكون لهم الدولة دون غيرهم إلا بالإيمان الذي علق الله به العلو:كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [110] } [سورة آل عمران] .:وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [139] } [سورة آل عمران] . فهذا العلو لا يكتسب من انتصار في معركة، ولا يكتسب من إتقان صناعة آلة أو غير ذلك- وإن كان ذلك من الأسباب التي يظهر فيها العلو- لكنهم عالون، ولو لم يكونوا كذلك، وانظر إلى شأن العرب عندما خرجوا يقاتلون الروم وفارس، كيف كانت حالهم؟ إنهم كانوا من أهل التردى في الصناعة، وفي القتال وفي معرفة فنون التقدم، لكنهم فاقوا خصومهم أكبر الدول في ذلك الوقت الروم وفارس، فاقوهم بإيمانهم وما معهم من اليقين، ولقد حقق الله لرسوله صلى الله عليه وسلم علو الدين، وظهوره وارتفاعه على كل ملة، بدت بشائر ذلك في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يمت عليه الصلاة والسلام إلا وقد دانت لهم أهل الجزيرة كلهم حتى لم يبقَ فيها من يعبد غير الله، ثم إن الصحابة واصلوا المسيرة، وقد بدأها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجيش الذي عقده قبل وفاته، جيش أسامة، فأمضاه أبو بكر رضي الله عنه، فكان ذلك فاتحة النصر وظهور الدين في مشارق الأرض ومغاربها، فإذا تحققنا في أي زمان، وفي أي مكان، بوصف الإيمان؛ فإننا موعودون بالنصر، والله لا يخلف الميعاد، وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [21] } [سورة يوسف] .

الوقفة الثانية:وعد الله لأهل الإيمان بالعلو والظهور،لا يلزم منه ولا يستفاد منه، أنه لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله، بل سيصيبهم: كما قال تعالى:وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ [155] } [سورة البقرة] . فلابد من البلاء ليتميز الصالح من غيره، فالبلاء سنة الله في عباده وأوليائه وأعدائه:وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ [31] } [سورة محمد] . إن الذين يدعون الصدق والإيمان و الصلاح في وقت السعة والرخاء كُثر، لكنهم يمحصون وتمحص سيئاتهم، وتقلل عنهم ما حملوه من أوزار الخطايا بسبب ما يصيبهم من هذا البلاء؛ فيصفو معدنهم وما في قلوبهم من الإيمان بتلك البلايا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ [4] } [سورة محمد] .

إن البلاء الذي يبتلي الله به أهل الإسلام من ضعف أو هزيمة، إنما هو لحكمة بالغة لا تتحقق بغير هذا السبيل، ولذلك كان ابتلاء الله لعباده الصالحين من دلائل الصدق الذي يخص الله به أصفياءه، الناس يبتلون ويمتحنون على حسب إيمانهم الأمثل فالأمثل، الأنبياء أشد الناس بلاء، ثم الصالحون، ثم الأمثل، فالأمثل، يبتلى الرجل على قد ما معه من الإيمان .

هذا البلاء له حكم بالغة أشار الله منبهًا الصحابة في وقعة بدر إلى بعضها قال سبحانه وتعالى:مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ [179] } [سورة آل عمران] .

الوقفة الثالثة:أن سنة الله في الأيام والدول والأحوال أنها لا تقر على أمر دائم بل هي سريعة التقلب والزوال: فالشدة تؤذن بالفرج والله سبحانه قد قال:...وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ... [140] } [سورة آل عمران] . فالحال تتقلب وتتغير وهذه من سنن الله في خلقه، فالناس لا تستمر حالهم على حال واحدة بل هم في مناوبة وتعاقب بين المصائب والمواهب، بين المسار والمضار:إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ [140] } [سورة آل عمران] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت