فهرس الكتاب

الصفحة 3442 من 27345

الثاني: أن يعبدوه بما شرع وليس بشرع أحدٍ سواه , ولم يسمح صلى الله عليه وسلم لأحدٍ من أصحابه أن يخدش أصلًا من هذين الأصلين , ولذلك لما رأى يومًا بيد عمر بن الخطاب رضى الله عنه ورقة من التوراة , وكان عمر قد أعجبه ما فيها , فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم غضبًا شديدًا وقال لعمر:"أهذا وأنا بين أظهركم؟ لقد جئتكم بها بيضاء نقية , والله لو كان موسى حيًا لما وسعه إلا أن يتبعني". [ رواه أحمد وحسنه الألباني] , وفى هذا الحديث بيان عالمية الدعوة , وأنه لا يجوز الاهتداء بغير الكتاب والسنة , فكيف ينصرفون عن هذه الأصول المعصومة والمحفوظة ويهتدون بما شابه التحريف والتغيير والتبديل ؟ ولما سمع النبي صلى الله عليه وسلم خطيبا يخطب على المنبر ويقول:"من يطع الله ورسوله فقد رشد , ومن يعصهما فقد غوى"فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:"بئس خطيب القوم أنت ، قل: ومن يعص الله ورسوله فقد غوى" [ رواه أحمد ومسلم] . وقد عاب النبي صلى الله عليه وسلم تسويته بالله جلَّ وعلا , فالضمير في يعصهما يفيد مساواة المشتركين في الحكم , ومقام الخطبة يحتمل التفصيل والتوضيح والبيان , وأيضًا لما مات عثمان بن مظعون رضي الله عنه وقامت أم العلاء تقول: شهادتى عليك أبا السائب أن الله قد أكرمك اعترضها صلى الله عليه وسلم وقال:"وما يدريك أن الله قد أكرمه ؟"فقالت: سبحان الله , ومن يكرم الله إذ لم يكرمه ؟ فرد عليها النبي صلى الله عليه وسلم بما هو أبلغ من ذلك وقال: والله إني لرسول الله ولا أدرى ما يفعل بي غدًا"فقالت أم العلاء: والله لا أزكي بعده أحدًا" [ رواه أحمد والبخاري] .

فالأعمال بالخواتيم والخواتيم مطوية عن العباد وفى هذا رد على اليهود والنصارى الذين قالوا:"نحن أبناء الله وأحباؤه"وقولهم"لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى"فرد عليهم سبحانه بقوله: ( تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ) وهو ردٌ أيضا على من زعم ولاية بعض المقبورين , ولم يكتف بذلك بل يذهب يصرف لهم العبادة من دون الله !! ومن صور الحيطة أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما شاء الله وشئت، فقال له صلى الله عليه وسلم:"أجعلتنى لله ندًا ؟ قل ما شاء الله وحده". [ رواه أحمد وحسنه الألباني]

فالحيطة لاتقتصر على الأفعال بل تتعداها إلى الأقوال , ومن ذلك أن بعض الصحابة لما قالوا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط ( أى شجرة يعلقون بها أسلحتهم ويتبركون بها ) فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم:"قلتم والذي نفسي بيده كما قال بنو إسرائيل لموسى اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة" [رواه أحمد والترمذي وقال: حسن صحيح] ولما سئل صلى الله عليه وسلم عن العرافين فقال"ليسوا بشيء"رواه مسلم فالكاهن والعراف إن صدق مرة كذب معها مائة مرة . وقد كثر التحذير منه صلى الله عليه وسلم من اتخاذ القبور مساجد"وأن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحدًا"فعلى كل الناس أن ينيبوا إلى ربهم وأن يسلموا وجوههم له سبحانه وأن يتركوا الكفريات والشركيات وصرف العبادة لغير الله وأن يوحدوا ربهم ويعلموا أن التوحيد أولًا فإن تقديم الأهم على المهم أمر واجب في العلم والعمل والدعوة إلى الله .

إنَّ ادعاءات التأصيل للأخلاق عند الكفرة والمشركين والفلاسفة والزعم بصلاح أخلاقهم ما هي إلا دعوى عريضة وإلا فكل إناء ينضح بما فيه , وهؤلاء إن انتفعوا بخير عملوه فإنما يكون ذلك في الدنيا , أما في الآخرة فيصدق عليهم قوله تعالى: ( وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءً منثورًا ) وقوله سبحانه: ( والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب ) .

ثانيا: الحيطة لجناب التشريع

كل الطرق مسدودة إلا من طريقه صلوات الله وسلامه عليه ، ولا يجوز التأصيل للأخلاق وغيرها أولا ثم يلوى أعناق النصوص الشرعية لتوافق هذه الأصول: ( لاتقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله ) فالواجب أن نستقي أصولنا ومناهجنا وأخلاقنا من كتاب الله ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وألا نسمح لأنفسنا ولا لغيرنا بخدش النصوص الشرعية، ولنا في نبينا أسوة حسنة وقدوة طيبة , والأدلة على ذلك كثيرة , ومنها أنه صلى الله عليه وسلم لما رأى رجلا يمشي في الحج بين رجلين يسندانه قال:"ما هذا؟"فقالوا: يا رسول الله نذر أن يحج ماشيًا: فقال صلى الله عليه وسلم:"إن الله عن تعذيب هذا نفسه لغني، مروه فليركب" [ متفق عليه] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت