سادسًا: نقل الإمام الشاطبي الإجماع على عدم وجود التكليف بالمشاق غير المعتادة في الشريعة .
سابعًا: لو قصدت المشقة في كل مرة وداوم عليها المكلف ، لوجدت مشقة غير معتادة وحرج كبير ، ممّا يفضي إلى ترك العبادة بالكلية والانقطاع عنها ، وهذا النوع لم تأت به الشريعة الإسلامية ، فشرع الله جل وعلا لنا الرفق والأخذ من الأعمال بما لا يحصِّل مللًا ، ونبّه النبي - صلى الله عليه وسلم - على ذلك فقال:"القصد القصد تبلغوا"لذلك نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن التنطع وقال:"هلك المتنطعون"
أما استدلالهم بحديث:"بني سلمة دياركم تكتب آثاركم"فالجواب عليه من وجهين:
الوجه الأول: قال الإمام الشاطبي:"إن هذه أخبار آحاد في قضية واحدة لا ينتظم منها استقراء قطعي ، والظنيات لا تعارض القطعيات ، فإن ما نحن فيه من قبيل القطعيات"
الوجه الثاني: الحديث لا دليل فيه على قصد نفس المشقة ، فقد جاء في الحديث الذي أخرجه البخاري ما يفسره فإنه - صلى الله عليه وسلم -:"كره أن تُعرّى المدينة قِبَل ذلك ، لئلا تخلو ناحيتهم من حراستها"
لذلك فلا حجة لمن تعلق بهذا الحديث واستدل به على تقصد المشقة في العبادات والله أعلم .
أما احتجاجهم بحديث أمرنا أن نحتفي أحيانأ فالحديث لا يصح ،وبيان ذلك كما يلي:
عن عبد الله بن بريدة ، أن رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم رحل إلى فضالة بن عبيد وهو بمصر فقدم عليه وهو يمد ناقة له فقال: إني لم آتك زائرا ، إنما أتيتك لحديث بلغني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم رجوت أن يكون عندك منه علم ، فرآه شعثا فقال: مالي أراك شعثا وأنت أمير البلد فقال
"إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينهانا عن كثير من الإرفاه"
ورآه حافيا فقال: مالي أراك حافيا قال:
"إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا أن نحتفي أحيانا"
قلت: الحديث صححه الشيخ الألباني حفظه الله في الصحيحة (2/4) وقال:"هذا إسناد صحيح أيضا على شرط الشيخين"وليس عند النسائي الأمر بالاحتفاء .
والحديث أخرجه أحمد 6/22 . وأبو داود (4160) قال: ثنا الحسن بن علي . كلاهما ( أحمد بن حنبل ، والحسن بن علي ) عن يزيد بن هارون قال: أخبرني الجريري عن عبد الله بن بريدة فذكره .
أخرجه النسائي 8/185 قال: نا يعقوب بن إبراهيم ثنا ابن علية عن الجريري عن عبد الله بن بريدة أن رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقال له عبيد قال:
"إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينهى عن الإرفاه"
سئل ابن بريدة عن الإرفاه قال: منه الترجل .
قال المزي رحمه الله وهو وهم والصواب فضالة بن عبيد"تحفة الأشراف 7/226)"
قلت: الجريري هو سعيد بن إياس قال عنه الحافظ في التقريب:"ثقة من الخامسة اختلط قبل موته بثلاث سنين"وذكره العجلي في ثقاته ص181 وقال ثقة واختلط بآخره روى عنه في الاختلاط: يزيد بن هارون وابن المبارك وبن أبي عدي وكلما روى عنه مثل هؤلاء فهو مختلط ، إنما الصحيح عنه: حماد بن سلمة وإسماعيل بن علية"."
فرواية أمرنا أن نحتفي أحيانا من طريق يزيد بن هارون عن الجريري وهو ممن روى عنه بعد الاختلاط ورواية إسماعيل بن علية الذي روىعن الجريري قبل الاختلاط وروايته عنه صحيحه ليس فيها ذكر الاحتفاء .
فرواية أمرنا أن نحتفي أحيانا شاذة لا تصح لأن يزيد خالف ابن علية ويزيد ممن روى الحديث عن الجريري بعد اختلاطه ومن القرائن التي ترجح صحة ما ذهبنا إليه أن النسائي أخرج في سننه (8/132) قال: نا إسماعيل بن مسعود ثنا خالد بن الحارث عن كهمس عن عبد الله بن شقيق قال كان رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عاملا بمصر فأتاه رجل من أصحابه فإذا هو شعث الرأس مشعان قال: مالي أراك مشعانا وأنت أمير قال:
"كان نبي الله صلى الله عليه وسلم ينهانا عن الإرفاه"
قلنا: وما الإرفاه قال: الترجل .
فهذه الرواية من الشواهد على صحة رواية ابن علية التي ليس فيها ذكر الاحتفاء خاصة وأنها لنفس الحادثة .
ثالثًا: قيام بعض طلبة العلم بمسك النعل باليمين والكتب بالشمال:
من الأخطاء التي قد يرتكبها بعض طلبة العلم مسكهم للنعل بأيمانهم والكتب بشمائلهم ،وهذا خطأ فينبغي إذا فرغ طالب العلم من درسه وأراد أن يحمل كتبه ونعليه أن يمسك الكتاب بيمينه والنعل بشماله،قال علامة فاس المهدي الوزاني المالكي - رحمه الله - في"النوازل الكبرى":"كثيرًا ما يقع لبعض الطلبة حتى فقهاء التدريس أن يمسك النعل بيمينه،والكتاب بشماله أو تحت إبطه الشمالي،وذلك خلاف المطلوب عقلًا ونقلًا،وتفاؤلٌ لأن يؤتى كتابه بشماله،عياذًا بالله"
والحمد لله رب العالمين فإن وفقت فالفضل لله وحده وإن أخطأت فمني ومن الشيطان والله ورسوله من ذلك براء .
أبو عبد العزيز سعيد