فهرس الكتاب

الصفحة 16633 من 27345

والتعبير عن هذه (الوسيلة) بأنها (أمر غير ممنوع في نفسه، يدخل المباح، والمندوب، والواجب، ويخرج ما كان ممنوعًا في نفسه، كشرب الخمر، فهو ذريعة للفرية، والزنى، وهو ذريعة لاختلاط الأنساب، لكنهما محرمان في أنفسهما، حتى ولو لم يؤديا إلى تلك المفاسد..

الركن الثاني: المتوسل إليه: لا بد أن يكون أمراُ ممنوعًا، إذا لو كان أمرًا جائزًا، لا نتقلنا من الحديث عن الذريعة بالمعنى الاصطلاحي إلى الذريعة بالمعنى اللغوي.

ويُفهم من عبارات العلماء إرادة مطلق المنع أن التحريم، لم يحددوه اختلاف قوة منع الوسيلة المفضية إليه، فما كان المنع منه أقوى كاعتداء على الضروريات الخمس، كان المنع من الوسائل المفضية إليه أقوى، فالشريعة - مثلًا - جاءت بسد أي وسيلة وتؤدي إلى المساس بالدين، سواء أكان بالابتداع فيه، أو التساهل في مرة، ولو كان في المحافظة عليه ذهاب الأنفس والأموال، لأنه أهم الضروريات.

الركن الثالث: هذا الركن من أهم أسباب الخلاف في تعريف العلماء للذريعة؛ لأن قوة الإفضاء تختلف، ودرجاتها ثلاثة: ضعيفة، وقطعية، وما بينهما، فإفضاء الوسيلة إليه؛هوالذي يصل بين طرفي الذريعة: الوسيلة والمتوسل إليه ، والبحث فيه يكو في قوة الإفضاء ، فهناك وسائل يكون إفضاؤها إلى المحذور ضعيفًا، كزراعة العنب مطلقًا فإنه وسيلة، وإذا قد أن يتخذه بعض الناس لصناعة الخمر، فهل تمنع زراعته؟ وهناك وسائل يكون إفضاؤها إلى المحذور قويا كمن باع العنب لمن يصنعه خمرًا، فإنه يصبح ذريعة إفضاؤها إلى المتوسل إليه قوية، وعلى هذا فالمقصود بسد الذرائع شرعًا:"حسم مادة الفساد بقطع وسائله".

المطلب الثالث

أقسام الذريعة وأحكامها

بالنظر إلى التعريف السابق للذريعة، وبعد معرفة كل ركن من أركانها على حدة تبين أنها على الأقسام الآتية:

القسم الأول: وضابطة ما كانت قوة الإفضاء فيه نادرة، سواء أكانت الوسيلة:

أ - واجبة؛ كالذهاب إلى صلاة الجماعة في المساجد لسامع النداء؛ إذا قد يتعرض بيته وماله إلى السرقة على قول القائل بالوجوب…وهكذا.

ب_ أو مندوبة؛ كالصدقة على عموم المسلمين الذين لا يُدري ما حالهم.

ج- أو مباحة؛ كالتجاور في البيوت؛ فإنه يفضي نادرًا إلى الزنى.

القسم الثاني: ويشترط فيه أن قوة الإفضاء: قطعية، أو غالبة، أو كثيرة ولكن ليست بغالبة، فيتحصل لدينا ثلاثة وسائل:

الوسيلة الأولى: وسيلة مباحة تؤدي إلى محرم

ومثال هذا السفر إلى البلاد التي تكثر فيها المنكرات، وارتياد الأماكن العامة الذي يؤدي إلى رؤية المنكرات وعدم إنكارها أو يؤدي إلى النظر إلى العورات ، أو كقيام ذي الهيئة الذي يُتخذه الناس قدوة بفعل مباح على وجه يسئ الجاهل فهمة، فيعتقد حل ما حرم أو تحريم ما أحل، ومن ذلك تولي الولايات في الجهات أو المؤسسات التي يلتبس أمرها على العامة، فإن رأوا فيها الدين الثقة، ظنوا صلاحها وشرعيتها.

والحكم في هذه الذريعة السد؛ لأنها تؤدي إلى مفسدة أكبر من المصلحة المترتبة على فعلها..

الوسيلة الثانية: وسيلة مندوبة تؤدي إلى محرم

ومثال هذا السفر إلى الحج النافلة، أو إلى الدعوة غير الواجبة إذا كان ذلك يؤدي إلى تضييع حق الأولاد، أو يغضب الوالدين.

والحكم في هذه الذريعة المنع أيضًا؛ لأن مفسدتها أعظم من مصلحتها .

الوسيلة الثالثة: وسيلة واجبة تودي إلى محرم

أم هذه الوسيلة فإنها موطن رحب للاختلاف، وإعمال الاجتهاد، فمن العلماء من يرى منعها مطلقًا، تغليبًا لجانب الخطر على الإباحة ومنهم من يرى غير ذلك والأمر يحتاج إلى نوع تفصيل، يعتمد على القاعدة الأساس في الحكم على الذرائع، وهي:"إذا تعارضت مفسدتان دُفع أعظمها ضررًا بارتكاب أخفهما".

إذا كانت الوسيلة واجبة ضرورية متعلقة بفرد واحد، تؤدي إلى متوسل إليه ممنوع متعلق بأمر ضروري أيضًا لكنه متعلق بمجموعة، فما الحكم؟ والأمثلة الواقعية على هذا الفرع كثيرة، وكل مسألة متعلقة بهذا المتضوع تحتاج إلى دارسة مستقلة حسب ظروفها، وملابساتها، وما يحيط بها.

المبحث الثاني

تحرير محل النزاع وأدلته وتطبيقاته

المطلب الأول

تحرير محل النزاع بين العلماء في سد الذرائع

تنقسم الذرائع من حيث الحكم عليها إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول: قسم أجمع العلماء على سده

ابتدأ بهذا القسم بصرف النظر: هل يُعتبر من باب"الذرائع"أم لا ؟ فيبع العنب لمن يتخذه خمرًا، ووضع السم في أطعمة المسلمين، ونحوهما من الأعمال الممنوعة شرعا سواء سميت"ذرائع"أم لا، وسواءً أكان الاستدلال على منعها بقاعدة"سد الذرائع"، أو بقواعد شرعية أخرى، على حرمة ما ذُكر بقاعدة تحريم التعاون على الإثم والعدوان ، والخلاف المتعلق بهذا القسم خلاف لفظي لا ثمرة له، ومنشأ الاختلاق مبسوط في كتب الأصول.

القسم الثاني: قسم أجمع العلماء على عدم سده

وهذا القسم سواء سمي ذرائع أم لا، والتحدث عنه كأمر مباح فقط لا ما يؤل إليه كزراع العنب.

القسم الثالث: موطن النزاع بين العلماء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت