فهرس الكتاب

الصفحة 114 من 27345

وفي مواجهة دعوة عنيفة إلى الروحية الخالصة ممثلة في إنكار حق الحياة وقسر الرغبات البشرية برزت المادية كرد فعل عنيف طاغٍ، ولو أن الفكر الغربي فهم الإسلام حق الفهم لوجده قادرًا على العطاء الذي يمكن العلم من أداء دوره دون أن يقع في المحاذير والأخطاء التي ساقه إليها مفهوم غير متكامل، ولا ريب أن من يطالع المذهب المادي على النحو الذي قدمه المتطرفون من أمثال بخنز يجده حربًا عنيفة على تفسيرات الدين ومعارضة لكل ما قدمته هذه التفسيرات حتى ليكاد دعاة المذهب المادي أن يذهبوا أساسًا إلى معارضة الاجتماع والوضع البشري، ويبدو ذلك ظاهرًا من محاولة شبلي شميل حين ترجم مذهب النشوء والارتقاء إلى اللغة ###119### العربية بعد الاحتلال البريطاني لمصر، فإنه لم يقف عند عرض المذهب الفلسفي وحده، ولكنه حاول اتخاذه أساسًا للمجتمع والأسرة والمدرسة والشريعة والقضاء والسياسة؛ فاعتبر المذهب المادي دينًا جديدًا، هو دين البشرية وعلى العرب والمسلمين أن يحلوه محل عقائدهم، كما فعل الغربيون حين عارضوا رؤساء الأديان، فدعا إلى ما أسماه تحرير الإنسان من بواعث التفرق التي غرستها الأديان، وقد كان هذا الاقتباس خاطئًا تمامًا، فإنما استغل الفلاسفة مذهب دارون في الغرب، وحولوه إلى ما أسموه دين البشرية، وهو العلم والعقل، لأنهم كانوا على خلاف مع تفسيرات الدين، ولذلك أرادوا التحرر من آثاره الباقية في المجتمع والمدرسة، وليس كذلك الإسلام في أفق العالم الإسلامي، ولكن هكذا، هدفت القوى الاستعمارية أن تفسد الفكر، وتثير الشبهات، وتنقل ما هو واقع في بيئة مختلفة إلى بيئة أخرى ليست لها به صلة ما.

ولم يكن من المعقول أن يقبل بسهولة ما دعا إليه فلاسفة المادية من الاقتصار على العلوم المادية دون التعاليم الدينية، أو من القول بأن الدين قد أضر بالإنسان والمجتمع، أو أن العلوم الطبيعية هي أهم العلوم البشرية، فقد كان ذلك كله ###120### نقلا غير موفق لما يجري في محيط له ظروفه الخاصة وتحديداته الواقعة مما ليس موجودًا في البيئة العربية الإسلامية بتاتًا، ولا هي في حاجة إليه، وفي هذا يقول العلامة محمد فريد وجدي: إن الفلسفة المادية لا تستقر إلا حيث يخلو لها الجو من النقد العلمي الصحيح، والرقابة العلمية الدقيقة لأن أهلها كثيرًا ما يعتمدون على المغالطات والسفسطات، فيسوقونها باسم العلم، وما هي منه، فإذا صادقت نفوسًا خلت من حقائق العلم أضلتها ودفعت بها إلى أقصى حدود التطرف، والمذهب المادي فلسفة لا علم، وفرق كبير بينهما، فالعلم يرود بوسائله مجاهيل هذا الوجود الضخم، وبدون العلاقات الموجودة بين ظواهره منها، ويصم الأشباه والنظائر، ثم يبذل وسعه ليجد النواميس العاملة في كل طائفة منها، وهو يحلل المواد ليعرف عناصرها الأولية، أما الفلسفة فهي جهاد من العقل وراء إدراك الحقيقة الكلية للوجود، وقد دخلت منذ نشوئها إلى اليوم في أطوار كثيرة، فبعد أن كانت تعتمد على العقل وحده، أصبحت اليوم تعتمد عليه، وعلى العلم أيضًا، ومن هذا الطريق وصلت الفلسفة إلى ما وصفت نفسها بالطبيعة، وهي التي يعتمد عليها المذهب المادي إلى الحكم بأن الوجود مادة ###121### محضة، ومحكوم بنظام آلي لا يختلف وأن ما يسمى عقلا وروحًا وعواطف، إنما هي حالات راقية من المادة، وليس لها وجود خاص تستمده من ينبوع سواها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت