فهرس الكتاب

الصفحة 99 من 319

ثم ضرب بالقداح ثالثة، فخرجت على الإبل، فنحرها، ونادى مناديه: ألا فخذوا لحمها! وانصرف عنها، ووثب الناس يأخذونها، فلذلك يقول مرة بن خلف الفهمي:

كما قسمت نهبًا ديات ابن هاشم ... ببطحاء بسل حيث يعتصب البرك

وصارت الدية من الإبل على ما سن عبد المطلب ولما قدم أبرهة ملك الحبشة صاحب الفيل مكة ليهدم الكعبة تهاربت قريش في رؤوس الجبال، فقال عبد المطلب: لو اجتمعنا، فدفعنا هذا الجيش عن بيت الله؟ فقالت قريش: لا بد لنا به! فأقام عبد المطلب في الحرم، وقال: لا أبرح من حرم الله، ولا أعوذ بغير الله، فأخذ أصحاب أبرهة إبلًا لعبد المطلب، وصار عبد المطلب إلى أبرهة، فلما استأذن عليه قيل له: قد أتاك سيد العرب، وعظيم قريش وشريف الناس، فلما دخل عليه أعظمه أبرهة، وجل في قلبه لما رأى من جماله، وكماله، ونبله، فقال لترجمانه: قل له: سل ما بدا لك! فقال: إبلًا لي أخذها أصحابك، فقال: لقد رأيتك، فأجللتك، وأعظمتك، وقد تراني حيث نهدم مكرمتك وشرفك، فلم تسألني الانصراف، وتكلمني في إبلك؟ فقال عبد المطلب: أنا رب هذه الإبل، ولهذا البيت الذي زعمت أنك تريد هدمه رب يمنعك منه. فرد الإبل، وداخله ذعر لكلام عبد المطلب، فلما انصرف جمع ولده ومن معه، ثم جاء إلى باب الكعبة، فتعلق به وقال:

لهم! إن تعف فإنهم عيالك ... إلا فشيء ما بدا لك

ثم انصرف وهو يقول:

لهم! إن المرء يمنع رحله فامنع حلالك

لا يغلبن صليبهم ومحالهم عدوًا محالك

ولئن فعلت، فإنه أمر تتم به فعالك

وأقام بموضعه، فلما كان من غد بعث ابنه عبد الله ليأتيه بالخبر، ودنا وقد اجتمعت إليه من قريش جماعة ليقاتلوا معه إن أمكنهم ذلك. فأتى عبد الله على فرس شقراء يركض، وقد جردت ركبته، فقال عبد المطلب: قد جاءكم عبد الله بشيرًا ونذيرًا، والله ما رأيت ركبته قط قبل اليوم، فأخبرهم ما صنع الله بأصحاب الفيل، وقال عبد المطلب لما كان من أصحاب الفيل ما كان:

أيها الداعي لقد أسمعتني ... ثم ناد، عن نداكم، من صمم

هل يد الله أمر، أم له ... سنة في القوم ليست في الأمم

قلت، والأشرم تردي خيله: ... إن ذا الأشرم غر بالحرم

إن للبيت لربًا مانعًا ... من يرده بأثام يصطلم

رامه تبع، فيما قد مضى ... و كذا حمير، والحي قدم

فانثنى عنه، وفي أوداجه ... حارج أمسك منه بالكظم

هلكت بالبغي فيه جرهم ... بعد طسم، وجديس، وجمم

وكذا الأمر بمن كاده بحر ... ب، فأمر الله بالأمر اللمم

نعرف الله، وفينا سنة ... صلة الرحم، وإيفاء الذمم

لم يزل لله فينا حجة ... يدفع الله بها عنا النقم

نحن أهل الله في بلدته ... لم يزل ذاك على عهد أبرهم

وكانت أديان العرب مختلفة بالمجاورات لأهل الملل، والانتقال إلى البلدان، والانتجاعات، فكانت قريش، وعامة ولد معد بن عدنان، على بعض دين إبراهيم، يحجون البيت، ويقيمون المناسك، ويقرون الضيف، ويعظمون الأشهر الحرم، وينكرون الفواحش والتقاطع والتظالم، ويعاقبون على الجرائم، فلم يزالوا على ذلك ما كانوا ولاة البيت.

وكان آخر من قام بولاية البيت الحرام من ولد معد: ثعلبة بن أياد بن نزار بن معد، فلما خرجت أياد وليت خزاعة حجابه البيت، فغيروا ما كان عليه الأمر في المناسك، حتى كانوا يفيضون من عرفات قبل الغروب، ومن جمع بعد أن تطلع الشمس. وخرج عمرو بن لحي، واسم لحي ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر، إلى أرض الشام، وبها قوم من العمالقة يعبدون الأصنام، فقال لهم: ما هذه الأوثان التي أراكم تعبدون؟ قالوا: هذه أصنام نعبدها، نستنصرها، فننصر، ونستسقي بها، فنسقى، فقال: ألا تعطونني منها صنما، فأسير به إلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت