والمملكة الثانية من النوبة الذين يقال لهم علوة، أعظم خطرا من مقرة، ومدينة مملكتهم يقال لها سوبة، ولهم بلاد واسعة شبيهة بثلاثة أشهر، والنيل متشعب عندهم في عدة خلجان.
وهم بين النيل والبحر، ولهم عدة ممالك، في كل بلد ملك منفرد. فأول مملكة البجة من حد أسوان، وهي آخر عمل المسلمين من التيمن بين المشرق والمغرب إلى حد بركات، وهم الجنس الذي يقال له: نقيس، ومدينة المملكة يقال لها: هجر، ولهم قبائل وبطون كما تكون للعرب، فمنهم: الحدرات، وحجاب، والعماعر وكوير، ومناسة، ورسفة، وعربرتعة، والزنافج، وفي بلادهم المعادن من التبر والجوهر، والزمرد، وهم مسالمون للمسلمين، والمسلمون يعملون في بلادهم في المعادن.
والمملكة الثانية من البجة، مملكة يقال لها: بقلين، كثيرة المدن، واسعة يضارعون في دينهم المجوس والثنوية، فيسمون الله، عز وجل، الزنجير الأعلى، ويسمون الشيطان صحي حراقة، وهم الذين ينتفون لحاهم، ويقلعون ثناياهم، ويختتنون، وبلادهم بلاد مطر.
ثم المملكة الثالثة يقال لها: بازين، وهم يتاخمون مملكة علوة من النوبة، ويتاخمون بقلين من البجة، ويحاربون هؤلاء، وزرعهم الذي يأكلونه، وهو طعامهم واللبن.
والمملكة الرابعة يقال لها: جارين، ولهم ملك خطير، وملكه ما بين بلد يقال له: باضع، وهو ساحل البحر الأعظم إلى حد بركات من مملكة بقلين، إلى موضع يقال له: حل الدجاج، وهم قوم يقلعون ثناياهم من فوق وأسفل، ويقولون: لا يكون لنا أسنان كأسنان الحمير، وينتفون لحاهم.
والمملكة الخامسة يقال لها: قطعة، وهي آخر ممالك البجة، ومملكتهم واسعة من حد موضع يقال له: باضع، إلى موضع يقال له: فيكون، ولهم حد شديد، وشوكة صعبة، ولهم دار مقاتلة يقال لها دار السوا، فيها أحداث شباب، جلد، مستعدون للحرب والقتال.
ثم المملكة السادسة، وهي مملكة النجاشي، وهو بلد واسع، عظيم الشأن، ومدينة المملكة كعبر، ولم تزل العرب تأتي إليها للتجارات، ولهم مدن عظام، وساحلهم دهلك، ومن في بلاد الحبشة من الملوك، فهم من تحت يد الملك الأعظم يعطونه الطاعة، ويؤدون إليه الخراج، والنجاشي على دين النصرانية اليعقوبية، وآخر مملكة الحبشة الزنج، وهم يتصلون بالسند وما ضارع هذه البلدان، ويتصل أيضًا بما دون الزنج مما يتاخم السند والكرك، وهم قوم لهم حساب، واجتماع قلوب.
وأما السودان الذين غربوا وسلكوا نحو المغرب فإنهم قطعوا البلاد، فصارت لهم عدة ممالك، فأول ممالكهم: الزغاوة، وهم النازلون بالموضع الذي يقال له: كانم، ومنازلهم أخصاص القصب، وليسوا بأصحاب مدن، ويسمى ملكهم كاكرة. ومن الزغاوة صنف يقال لهم: الحوضن، ولهم ملك هو من الزغاوه.
ثم مملكة أخرى يقال لهم: ملل، وهم يبادون صاحب كانم، ويسمى ملكهم: ميوسي.
ثم مملكة الحشة، ولهم مدينة يقال لها: ثبير، ويسمى ملك هذه المدينة مرح، ويتصل بهم القاقو، إلا انهم معولون، وملكهم ملك ثبير.
ثم مملكة الكوكو، وهي أعظم ممالك السودان، وأجلها قدرًا، وأعظمها أمرًا، و كل الممالك تعطي لملكها الطاعة، والكوكو اسم المدينة، ودون هذا عدة ممالك يعطونه الطاعة، ويقرون له بالرئاسة على انهم ملوك بلدانهم، فمنهم مملكة المرو، وهي مملكة واسعة، وللملك مدينة يقال لها: الحيا، ومملكة مردية، ومملكة الهربر، ومملكة صنهاجة، ومملكة تذكرير، ومملكة الزيانير، ومملكة أرور، ومملكة بقاروت، فهذه كلها تنسب إلى مملكة الكوكو.
ثم مملكة غانة، وملكها أيضا عظيم الشأن، وفي بلاده معادن الذهب، وتحت يده عدة ملوك، فمنهم مملكة: عام، ومملكة: سامة، وفي هذه البلاد كلها الذهب.
ذكرت الرواة، ومن يدعي العلم بالأخبار وأحوال الأمم والقبائل: أن أول من ملك من ولد قحطان بن هود النبي: ابن عابر بن شالح بن أرفخشد ابن سام بن نوح سبا بن يعرب بن قحطان، وكان اسم سبا عبد شمس، لأنه كان أول من ملك من ملوك العرب، وسار في الأرض، وسبى السبايا، وكان يعرب ابن قحطان أول من حيي: بأنعم صباحا وأبيت اللعن.
ثم ملك بعد سبا حمير بن سبا، واسم حمير زيد، وكان أول ملك لبس التاج من الذهب مفصصًا بالياقوت الأحمر.
ثم ملك بعد حمير أخوه كهلان بن سبا، فطال عمره حتى هرم.
ثم ملك بعد كهلان أبو مالك بن عميكرب بن سبا، فدام ملكه ثلاثمائة سنة.