الصقالبة وأصاب المسلمين ضر وجوع وبرد. وبلغ سليمان ما فيه مسلمة ومن معه، فأمدهم بعمرو بن قيس في البر، وأغزى عمر بن هبيرة الفزاري في البحر، وذلك أن الروم أغاروا على مدينة اللاذقية من جند حمص، فأحرقوها، وذهبوا بما فيها، فبلغ عمر بن هبيرة خليج القسطنطينية.
وكان الغالب على سليمان النصرا بن برهم الحميري، ورجاء بن حيوة الكندي، وعلى شرطة كعب بن حامد العبسي، وعلى حرسه خالد بن الديان مولى محارب، وحاجبه مولاه أبو عبيدة، وكان أكولا لا يكاد يشبع، وكان له جمال وفصاحة... رجل طويل، أبيض قضيف البدن، لم يشب، وهو الذي يقول، ونظر إلى نفسه في المرآة: أنا الملك الشاب، فما دارت عليه الجمعة حتى مات، وكانت وفاته في صفر سنة تسع وتسعين، وعهد إلى عمر بن عبد العزيز، وكتب كتابا، وأحضر أهل بيته، فقال: بايعوا لمن في هذا الكتاب، فبايعوا، ودفع الكتاب إلى مسجد دابق، فدعا من بها من أهل بيت سليمان، فقال: بايعوا! فقالوا: إنا بايعنا مرة، فقال: بايعوا الذي في هذا الكتاب، فبايعوا، فلما فرغ قال: قوموا إلى صاحبكم، فقد مات، وقرأه، فلما بلغ إلى اسم عمر بن عبد العزيز قال هشام: لا والله لا أبايع! فقال رجاء بن حيوة: إذا أضرب عنقك، وأخذ بضبع عمر، فأجلسه على المنبر، فلما فرغوا من البيعة دفنوا سليمان، ونزل عمر بن عبد العزيز قبره، وثلاثة من ولده، فلما تناولوه تحرك على أيديهم، فقال ولد سليمان: عاش أبونا ورب الكعبة! فقال عمر: بل عوجل أبوكم ورب الكعبة! وكان بعض من يطعن على عمر يقول له: دفن سليمان حيا. وكانت ولاية سليمان بن عبد الملك سنتين وثمانية أشهر، وخلف من الولد الذكور عشرة: يزيد والقاسم وسعيد، وعثمان، وعبد الله، وعبد الواحد، والحارث، وعمرو، وعمر، وعبد الرحمن. وأقام الحج للناس في ولايته سنة ست وتسعون أبو بكر بن عمرو بن جزم، وفي سنة سبع وتسعون سليمان، وفي سنة ثمان وتسعون عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد. وغزا في أيامه سنة ست وتسعون مسلمة، ففتح حصن الحديد وشتا بنواحي الروم، وعمر بن هبيرة في البحر، فمخروا ما بين الخليج والقسطنطينية، وفتحوا مدينة الصقالبة، وأمد سليمان بعمرو بن قيس الكندي، وعبد الله بن عمر بن الوليد ابن عقبة وفي سنة تسع وتسعون وجه سليمان بن عبد الملك بابنه داود إلى أرض الروم، ومسلمة منيخ على القسطنطينية، ففتح داود حصن المرأة من ناحية ملطية. وكان الفقهاء في أيامه مثل من كان في أيام الوليد.
ثم ولى عمر بن عبد العزيز بن مروان، وأمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر ابن الخطاب، لعشر خلون من صفر سنة تسع وتسعون، وكانت الشمس يومئذ في السنبلة ثمانيًا وعشرين درجة، وزحل في الميزان خمسًا وعشرين درجة وأربعين دقيقة، والمشتري في الحوت درجتين راجعا، والمريخ في السرطان ثلاثًا وعشرين درجة وثلاثين دقيقة، وعطارد في الميزان اثنتين وعشرين درجة، والرأس في الجوزاء ثلاثًا وعشرين درجة وستا وعشرين دقيقة، وبويع بدابق، وكان الكتاب الذي كتبه سليمان: هذا كتاب من عبد الله سليمان أمير المؤمنين لعمر ابن عبد العزيز أني وليتك الخلافة بعدي، فاسمعوا، وأطيعوا، واتقوا الله، ولا تختلفوا. فلما قرئ الكتاب بايع جميع من حضر من بني أمية خلا عبد العزيز ابن الوليد بن عبد الملك، فإنه كان غائبًا، فدعا إلى نفسه، فبايعه قوم، فلما بلغه ولاية عمر قدم، فقال له عمر: بلغني أنك كنت دعوت إلى نفسك، وأردت دخول دمشق، فقال: قد كان ذلك لأني خفت الفتنة، وبلغني أن الخليفة لم يعهد إلى أحد. فقال عمر: لو قمت بالأمر ما نازعتك ذلك فقال عبد العزيز: ما كنت أحب أن يكون ولي هذا الأمر غيرك.