ثم قال: لا تأتوني بأنسابكم وأتوني بأعمالكم، فأقول للناس هكذا، ولكم هكذا، إلا هل بلغت؟ قالوا: نعم! قال: اللهم اشهد. ثم قال: كل دم كان في الجاهلية موضوع تحت قدمي، وأول دم أضعه دم آدم بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وكان آدم بن ربيعة مسترضعًا في هذيل، فقتله بنو سعد بن بكر، وقيل في بني ليث، فقتلته هذيل، ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم! قال: اللهم اشهد. ثم قال: وكل ربا كان في الجاهلية موضوع تحت قدمي، وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب، ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم! قال: اللهم اشهد. ثم قال: يا أيها الناس إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا، يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله، ألا وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا في كتاب الله منها أربعة حرم: رجب الذي بين جمادى وشعبان يدعونه مضر، وثلاثة متوالية: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم! قال: اللهم اشهد.
ثم قال: أوصيكم بالنساء خيرًا، فإنما هن عوان عندكم لا يملكن لأنفسهن شيئًا، وإنما أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكتاب الله، ولكم عليهن حق، ولهن عليكم حق كسوتهن ورزقهن بالمعروف، ولكم عليهن ألا يوطئن فراشكم أحدًا، ولا يأذن في بيوتكم إلا بعلمكم وإذنكم، فإن فعلن شيئًا من ذلك فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضربًا غير مبرح، ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم! قال: اللهم اشهد.
ثم قال: فأوصيكم بمن ملكت أيمانكم فأطعموهم مما تأكلون، وألبسوهم مما تلبسون، وإن أذنبوا فكلوا عقوباتهم إلى شراركم، ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم. قال: اللهم اشهد.
ثم قال: إن المسلم أخو المسلم لا يغشه ولا يخونه ولا يغتابه ولا يحل له دمه ولا شيء من ماله إلا بطيبة نفسه، ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم! قال: اللهم اشهد.
ثم قال: إن الشيطان قد يئس أن يعبد بعد اليوم، ولكن يطاع فيما سوى ذلك من أعمالكم التي تحتقرون، فقد رضي به، ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم! قال: اللهم اشهد.
ثم قال: أعدى الأعداء على الله قاتل غير قاتله وضارب غير ضاربه، ومن كفر نعمة مواليه فقد كفر بما أنزل الله على محمد، ومن انتمي إلى غير أبيه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم! قال: اللهم اشهد.
ثم قال: إلا إني إنما أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، وأني رسول الله، وإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق، وحسابهم على الله، ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم! قال: اللهم اشهد.
ثم قال: لا ترجعوا بعدي كفارًا مضلين يملك بعضكم رقاب بعض، إني قد خلفت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي. إلا هل بلغت؟ قالوا: نعم! قال: اللهم اشهد. ثم قال: إنكم مسؤولون فليبلغ الشاهد منكم الغائب. ولم ينزل مكة، وقيل له في ذلك: لو نزلت يا رسول الله بعض منازلك؟ فقال: ما كنت لأنزل بلدا أخرجت منه. ولما كان يوم النفر دخل البيت، فودع ونزل عليه: اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام دينا. وخرج ليلًا منصرفا إلى المدينة، فصار إلى موضع بالقرب من الجحفة يقال له: غدير خم، لثماني عشرة ليلة خلت من ذي الحجة، وقام خطيبا وأخذ بيد على بن أبي طالب فقال: ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: فمن كنت مولاه، فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه.
ثم قال: أيها الناس إني فرطكم وأنتم واردي على الحوض، وإني سائلكم، حين تردون على، عن الثقلين فانظروا كيف تخلفوني فيهما. وقالوا: وما الثقلان يا رسول الله؟ قال: الثقل الأكبر كتاب الله سبب طرفه بيد الله وطرف بأيديكم، فاستمسكوا به ولا تضلوا، ولا تبدلوا، وعترتي أهل بيتي.