ومات الإسكندر بموضعه الذي كاتب منه، فاجتمع أصحابه، فكفنوه، وحنطوه، وصيروه في تابوت من ذهب، ثم وقف عليه عظيم من الفلاسفة، فقال: هذا يوم عظيم كشف الملك عنه، وأقبل من شره ما كان مدبرًا، وأدبر من خيره ما كان مقبلًا، فمن كان باكيًا على ملك، فعلى هذا الملك فليبك، ومن كان متعجبًا من حادث، فمن مثل هذا الحادث فليتعجب.
ثم أقبل على من حضره من الفلاسفة، فقال: يا معاشر الحكماء! ليقل كل امرىء منكم قولًا يكون للخاصة معزيًا، وللعامة واعظًا. فقام كل واحد من تلامذة أرسطاطاليس، فضرب بيده على التابوت، ثم قال: أيها المنطيق ما أخرسك! أيها العزيز ما أذلك! أيها القانص إني وقعت موضع الصيد في الشرك من هذا الذي يقنصك؟ ثم قام آخر فقال: هذا القوي الذي أصبح اليوم ضعيفًا، والعزيز الذي أصبح اليوم ذليلًا.
وقام آخر فقال: قد كانت سيوفك لا تجف، ونقماتك لا تؤمن، وكانت مدائنك لا ترام، وكانت عطاياك لا تبرح، وكان ضياؤك لا يكسف، فأصبح ضوءك قد خمد، ونقماتك لا تخشى، وأصبحت عطاياك لا ترجى، وأصبحت سيوفك لا تنتضى، وأصبحت مدائنك لا تمنع.
ثم قام آخر فقال: هذا الذي كان للملوك قاهرًا، فقد أصبح اليوم للسوقة مقهورًا.
وقام آخر فقال: قد كان صوتك مرهوبًا، وكان ملكك غالبًا، فأصبح الصوت قد انقطع، والملك قد اتضع.
وقام آخر فقال: لا امتنعت من الموت إذ كنت من الملوك ممتنعًا، وهلا ملكت عليه إذ كنت عليهم مملكًا.
وقام آخر فقال: حركنا الإسكندر بسكونه، وأنطقنا بصمته.
وتكلموا بنحو هذا الكلام، ثم أطبق التابوت، وحمل إلى الإسكندرية، فتلقته أمه بعظماء أهل المملكة، فلما رأته قالت: يا ذا الذي بلغت السماء حكمته، وحاز أقطار الأرض ملكه، ودانت الملوك عنوة له! ما لك اليوم نائمًا لا تستيقظ، وساكتًا لا تتكلم؟ من يبلغك عني أنك قد وعظتني فاتعظت، وعزيتني فتعزيت؟ فعليك السلام حيًا وهالكًا، فنعم الحي كنت، ونعم الهالك أنت.
ثم أمرت به، فدفن، وكان ملك الإسكندر مع ما نال من الدنيا اثنتي عشرة سنة.
ثم ملك بعد ذي القرنين بطليموس خليفة الإسكندر، وكان حكيمًا عالمًا، وكان ملكه عشرين سنة، ثم ملك فيلفوس، وكان جبارا، فاشتد سلطانه، وعتا في ملكه، وفي أيامه عملت الطلسمات، وكان ملكه ثمانيًا وثلاثين سنة، ثم ملك هورحيطوب الأول خمسًا وعشرين سنة، ثم ملك فيلوبطور سبع عشرة سنة، ثم ملك فيفانس أربعًا وعشرين سنة، ثم ملك فيلوبطور الثاني خمسًا وعشرين سنة، ثم ملك هورحيطوب الثاني سبعًا وعشرين سنة.
ثم صار الملك من بعد اليونانيين، أولاد يونان بن يافث بن نوح، إلى الروم، وهم ولد روم بن سماحير بن هوبا بن علقا بن عيصو بن إسحاق بن إبراهيم، فغلبوا على البلد، وتكلموا بلغه القوم، وانتسبوا إلى الرومية، ودرست اليونانية إلا ما بقي في أيدي هؤلاء من فضل حكمهم، وكان أول من ملك من الروم بعد اليونانيين فهاساطق، وهو جاليوس الأصغر، ابن روم، وكان ملكه اثنتين وعشرين سنة.
ثم ملك أغسطس، فلما أتى لملكه سنة، ولد المسيح، واتصل ملك أغسطس ثلاثا وأربعين سنة. ثم ملك طباريس اثنتين وعشرين سنة.
ثم ملك جايس أربع سنين.
ثم ملك قلوديس أربع عشرة سنة.
ثم ملك أسفسيانوس عشر سنين، وكان أهل مملكته يسمونه الإله، ووجه ابنا له يقال له ططوس إلى بيت المقدس، فحصرها أربعة أشهر، وكان قد اجتمع إليها في عيد من أعياد اليهود خلق عظيم، فاشتد عليهم الحصار، حتى أكلوا الصبيان، ومات أكثرهم من الجوع، ثم افتتحها، فقتل وسبى وأحرق الهيكل بالنار.
ثم ملك ططوس ثلاث سنين، وانشق في زمانه جبل يقال له أبرمور، وخرجت منه نار أحرقت مدنًا كثيرة.
ثم ملك دومطيانوس خمس عشرة سنة، وفي زمانه ظهر أبولوس صاحب الطلسمات من أهل طوانة، ووثب بدومطيانوس أهل مملكته، فقتلوه.
ثم ملك يهودس سنة واحدة.
ثم ملك طريانوس تسع عشرة سنة.
ثم ملك ادريانوس إحدى وعشرين سنة، ووثب به يهود بيت المقدس، فامتنعوا أن يؤدوا إليه الخراج، فوجه إليهم من قتلهم، وأمر بقتل من بقي منهم ببيت المقدس.
ثم ملك هيلوس أنطونينوس ثلاثًا وثلاثين سنة.
ثم ملك مرقس أنطونينوس خمسًا وعشرين سنة.
ثم ملك الإسكندر بن ماميا ثلاث عشرة سنة.
ثم ملك مكسيميانوس ثلاث سنين.
ثم ملك جورديانوس ثلاث سنين.