وكان النعمان يوجه في كل سنة بلطيمة إلى عكاظ للتجارة، ولا يعرض لها أحد من العرب، حتى قتل النعمان أخا بلعاء بن قيس، فكان بلعاء بعد ذلك يغير على لطائم النعمان. فلما اجتمع عروة والبراض عنده قال: من يجير لطائمي؟ فقال البراض: أنا، وقال عروة: أنا، مثله، فتنازعا كلاما. فلما خرجا وتوجه عروة لينصرف، عارضه البراض فقتله وأخذ ما كان معه من لطائم النعمان.
فاجتمعت قيس على قوم البراض، ولجأت كنانة إلى قريش فأعانتها وخرجت معها، فاقتتلوا في رجب، وكان عندهم الشهر الحرام الذي لا تسفك فيه الدماء. فسمي الفجار لأنهم فجروا في شهر حرام. وكان على كل قبيل من قريش رئيس، وعلى بني هاشم الزبير بن عبد المطلب.
وقد روي أن أبا طالب منع أن يكون فيها أحد من بني هاشم وقال: هذا ظلم وعدوان وقطيعة واستحلال للشهر الحرام، ولا أحضره ولا أحد من أهلي، فأخرج الزبير بن عبد المطلب مستكرها. وقال عبد الله بن جدعان التيمي وحرب ابن أمية: لا نحضر أمرًا تغيب عنه بنو هاشم فخرج الزبير.
وقيل: أن أبا طالب كان يحضر في الأيام ومعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا حضر هزمت كنانة قيسا فعرفوا البركة بحضوره فقالوا: يا ابن مطعم الطير وساقي الحجيج لا تغب عنا فإنا نرى مع حضورك الظفر والغلبة. قال: فاجتنبوا الظلم والعدوان والقطيعة والبهتان فإني لا أغيب عنكم. فقالوا: ذاك لك. فلم يزل يحضر حتى فتح عليهم.
وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: شهدت الفجار مع عمي أبي طالب وأنا غلام. وروى بعضهم أنه شهد الفجار وهو ابن عشرين سنة وطعن أبا براء ملاعب الأسنة فأرداه عن فرسه، وجاء الفتح من قبله فجمعنا جميع الروايات ومات حرب بن أمية بن عبد شمس بالشام بعد الفجار بأشهر.
حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم حلف الفضول وقد جاوز العشرين، وقال بعد ما بعثه الله: حضرت في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما يسرني به حمر النعم، ولو دعيت إليه اليوم لأجبت. وكان سبب حلف الفضول أن قريشا تحالفت أحلافا كثيرة على الحمية والمنعة، فتحالف المطيبون وهم بنو عبد مناف وبنو أسد وبنو زهرة وبنو تميم وبنو الحارث بن فهر على أن لا يسلموا الكعبة ما أقام حراء وثبير وما بل بحر صوفة. وصنعت عاتكة بنت عبد المطلب طيبًا فغمسوا أيديهم فيه. وقيل أن الطيب كان لأم حكيم البيضاء بنت عبد المطلب، وهي توأم عبد الله أبي رسول الله، وتحالفت اللعقة وهم بنو عبد الدار وبنو مخزوم وبنو جمح وبنو سهم وبنو عدي على أن يمنع بعضهم بعضا ويعقل بعضهم عن بعض وذبحوا بقرة فغمسوا أيديهم في دمها، فكانت قريش تظلم في الحرم الغريب ومن لا عشيرة له حتى أتى رجل من بني أسد بن خزيمة بتجارة فاشتراها رجل من بني سهم فأخذها السهمي وأبي أن يعطيه الثمن، فكلم قريشا واستجار بها وسألها إعانته على أخذ حقه فلم يأخذ له أحد بحقه فصعد الأسدي أبا قبيس فنادى بأعلى صوته:
يا أهل فهر لمظلوم بضاعته ... ببطن مكة نائي الأهل والنفر
أن الحرام لمن تمت حرامته ... ولا حرام لثوبي لابس الغدر
وقد قيل: لم يكن رجل من بني أسد ولكنه قيس بن شيبة السلمي باع متاعا من أبي خلف الجمحي وذهب بحقه، فقال هذا الشعر، وقيل بل قال:
يال قصي كيف هذا في الحرم ... وحرمة البيت وأخلاق الكرم
أظلم لا يمنع مني من ظلم
فتذممت قريش فقاموا فتحالفوا ألا يظلم غريب ولا غيره وأن يؤخذ للمظلوم من الظالم، واجتمعوا في دار عبد الله بن جدعان التيمي. وكانت الأحلاف هاشم وأسد وزهرة وتيم والحارث بن فهر فقالت قريش: هذا فضول من الحلف، فسمي حلف الفضول. وقال بعضهم: حضره ثلاثة نفر يقال لهم الفضل بن قضاعة والفضل بن حشاعة والفضل بن بضاعة فسمي بهذا حلف الفضول. وقد قيل أن هؤلاء النفر حضروا حلفا لجرهم فسمي حلف الفضول بهم وشبه بالحلف في تلك السنة.