فهرس الكتاب

الصفحة 84 من 319

ويروي عن رسول الله أنه قال: هذا أول يوم انتصفت فيه العرب من العجم، وبي نصروا.

وكان بين كندة وحضرموت حروب أفنت عامتهم، وكانت كندة قد اجتمعت على رجلين أحدهما سعيد بن عمرو بن النعمان بن وهب، وكان على بني الحارث بن معاوية عمرو بن زيد، وشرحبيل بن الحارث على السكون، واجتمعت حضرموت على عدة رؤساء منهم: مسعر بن مستعر، وسلامة بن حجر، وشراحيل بن مرة وعدة بعد هؤلاء، فزال هؤلاء كلهم. وطالت الحرب بينهم، وفتنت رجالهم، ودامت حتى ضرستهم، وكثر القتل في كندة.

وملكت حضرموت علقمة بن ثعلب، وهو يومئذ غلام، فلأنت كندة بعض اللين وكرهت محاربة حضرموت، ودخل أهل اليمن التشتيت والتفريق، فلما افترق أهل اليمن وانتشروا في البلاد ملك كل قوم عظيمهم، وصارت كندة إلى أرض معد، فجاورتهم، ثم ملكوا رجلًا منهم كان أول ملوكهم يقال له مرتع بن معاوية بن ثور، فملك عشرين سنة.

ثم ملك ابنه ثور بن مرتع، فلم يقم إلا يسيرًا حتى مات، فملك بعده معاوية بن ثور.

ثم ملك الحارث بن معاوية، فكان ملكه أربعين سنة.

ثم ملك وهب بن الحارث عشرين سنة.

ثم ملك بعده حجر بن عمرو، آكل المرار، ثلاثًا وعشرين سنة، وهو الذي حالف بين كندة وربيعة، وكان تحالفهم بالذنائب.

ثم ملك بعده عمرو بن حجر أربعين سنة، وغزا الشام، ومعه ربيعة، فلقيه الحارث بن أبي شمر، فقتله، فملك بعده الحارث بن عمرو، وأمه ابنة عوف بن محلم الشيباني، ونزل بالحيرة، وفرق ملكه على ولده.

وكان له أربعة أولاد: حجر، وشرحبيل، وسلمة الغلفاء، ومعديكرب، فملك حجرًا في أسد وكنانة، وملك شرحبيل على غنم وطيء والرباب، وملك سلمة الغلفاء على تغلب والنمر بن قاسط، وملك معديكرب على قيس بن عيلان، وكانوا يجاورون ملوك الحيرة فقتل الحارث، وقام ولده بما كان في أيديهم، وصبروا على قتال المنذر، حتى كافأوه.

فلما رأى المنذر تغلبهم على أرض العرب نفسهم ذلك، وأوقع بينهم الشرور، فوجه إلى سلمة الغلفاء بهدايا، ثم دس إلى شرحبيل من قال له: إن سلمة أكبر منك، وهذه الهدايا تأتيه من المنذر، فقطع الهدايا، فأخذها، ثم أغرى بينهما، حتى تحاربا، فقتل شرحبيل، فكانت معه تميم وضبة، فلما قتل خاف الناس أن يقولوا لأخيه سلمة: إن أخاك قد قتل، وجعل يسمع قولهم، فجزع لقتل أخيه، وندم على أن المنذر إنما أراد أن يقتل بعضهم بعضًا، فقال:

إن جنبي عن الفراش لناب ... كتجافي الأسر فوق الظراب

من حديث نمى إلي، فما ير ... قأ دمعي، ولا أسيغ شرابي

وتنكرت بنو أسد بحجر بن عمرو، وساءت سيرته فيهم، وكانت عنده فاطمة بنت ربيعة أخت كليب ومهلهل، فولدت له هندًا، فلما خاف على نفسه حملها، فاجتمعت بنو أسد على قتله، فقتلوه، وادعى قبائل من بني أسد قتل حجر، وكان القائم بأمر بني أسد علباء بن الحارث أحد بني ثعلبة.

وكان امرؤ القيس بن حجر غائبًا، فلما بلغه مقتل أبيه جمع جمعًا، وقصد لبني أسد، فلما كان في الليلة التي أراد أن يغير عليهم في صبيحتها نزل بجمعه ذلك، فذعر القطا، فطار عن مجاثمة، فمر ببني أسد، فقالت بنت علباء: ما رأيت كالليلة قطا أكثر! فقال علباء: لو ترك القطا لغفا ونام، فأرسلها مثلًا.

وعرف أن جيشًا قد قرب منه، فارتحل، وأصبح امرؤ القيس، فأوقع بكنانة، فأصاب فيهم وجعل يقول: يا للثارات! فقالوا: والله ما نحن إلا من كنانة! فقال:

ألا يا لهف نفسي، بعد قوم ... هم كانوا الشفاء، فلم يصابوا

وقاهم جدهم ببني أبيهم ... وبالأشقين ما كان العقاب

وأفلتهن علباء جريضًا ... ولو أدركنه صفر الوطاب

وفي هذا الوقت يقول عبيد بن الأبرص الأسدي لامرىء القيس بن حجر في قصيدة طويلة:

يا ذا المعيرنا بقت ... ل أبيه إذلالًا وحينا

أزعمت أنك قد قت ... لت سراتنا كذبًا ومينا

هلا على حجر بن أ ... م قطام تبكي لا علينا

إنا إذا عض الثقا ... ف برأس صعدتنا لوينا

نحمي حقيقتنا، وبع ... ض القوم يسقط بين بينا

وفي هذا يقول أيضًا عبيد في قصيدة له طويلة:

يا أيها السائل عن مجدنا ... إنك مستغبى بنا جاهل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت