نحو هذا، فلم يزالوا يتكلمون بحضرة النعمان، حتى احفظوه واغضبوه على عدي بن زيد، فكتب النعمان إلى عدي: عزمت عليك إلا زرتني! فاستأذن كسرى، وقدم عليه فلما صار إلى النعمان أمر بحبسه في حبس لا يصل إليه فيه أحد.
وكان له مع كسرى أخوان يقال لأحدهما أبي والآخر سمي، وكانا عند كسرى، وكان أحدهما يسره هلاكه، والآخر يحب صلاحه، فجعل عدي يقول الشعر في محبسه، ويستعطف النعمان، ويذكر له حرمته، ويغظه بذكر الملوك المتقدمين، فلم ينفعه ذلك، وجعل أعداؤه من آل مرينا يحملون عليه النعمان، ويقولون له: إن أفلت قتلك، وكان سبب هلاكك، فلما يئس عدي أن يجد عند النعمان خيرًا كتب إلى أخيه:
أبلغ أبيًا على نأيه ... وهل ينفع المرء ما قد علم
بان أخاك شقيق الفؤا ... د وكنت به والهًا ما سلم
لدى ملك موثق بالحدي ... د إما بحق، وأما ظلم
فلا تلفين كذاك الغلا ... م ألا تجد عارمًا يعتزم
فأرضك أرضك إن تأتنا ... تنم نومةً ليس فيها حلم
وكتب إلى ابنه عمرو بن عدي، وكانت له ناحية من كسرى:
لمن ليل بذي حبس طويل ... عظيم شقه، حزن، دخيل
وما ظلم امرىء في الجيد غل ... وفي الساقين ذو حلق طويل
ألا هبلتك أمك، عمرو بعدي ... أتقعد لا أفك، ولا تصول
ألم يحزنك أن أباك عانٍ ... وأنت مغيب غالتك غول
تغنيك ابنة القين ابن جسر ... وفي كلب فيصحبك الشمول
فلو كنت الأسير، ولا تكنه ... إذا علمت معد ما أقول
وإن أهلك، فقد أبليت قومي ... بلاء كله حسن جميل
وما قصرت في طلب المعالي ... فتقصرني المنية، أو تطول
فقام أخوه وابنه ومن معهما إلى كسرى فكلماه في أمره، فكتب كسرى إلى النعمان يأمره بتخلية سبيله، ووجه في ذلك رسولًا قال: فسأل أبي بن زيد الرسول أن يبتدىء بعدي، فابتدأ الرسول به، فقال عدي: إنك إن فارقتني قتلت! قال: كلا! إنه لا يجترىء النعمان على الملك! فبلغ النعمان مصير رسول كسرى إلى عدي، فلما خرج من عنده، وجه إليه النعمان من قتله، ووضع على وجهه وسادة، حتى مات، ثم قال للرسول: إن عديًا قد مات، وأعطاه وأجازه، وتوثق منه ألا يخبر كسرى إلا أنه وجده ميتًا، وكتب إلى كسرى أنه مات.
وكان عمرو بن عدي يترجم الكتب لكسرى، وطلب كسرى جارية، ووصف صفتها، فلم توجد له، فقال له عمرو بن عدي بن زيد: أيها الملك! عند عبدك النعمان بنات له وقرابات على أكثر مما يطلب الملك، ولكنه يرغب بنفسه عن الملك، ويزعم أنه خير منه، فوجه كسرى إلى النعمان يأمره أن يبعث إليه ابنته ليتزوجها، فقال النعمان: أما في عين السواد وفارس ما بلغ الملك حاجته؟ فلما انصرف الرسول خبر كسرى بقول النعمان، فقال كسرى: وما يعني بالعين؟ قال عمرو بن عدي بن زيد: أراد البقر، ذهابًا بابنته عن الملك، فغضب كسرى، وقال: رب عبد قد صار إلى أكبر من هذا، ثم صار أمره إلى تباب! فبلغت النعمان، فاستعد.
وأمسك عنه كسرى شهرًا، ثم كتب إليه بالقدوم عليه، فعلم النعمان ما أراد، فحمل سلاحه وما قوي عليه، ولحق بجبلي طي وكانت سعدى بنت حارثة عنده، فسأل طيئًا أن يمنعوه من كسرى، فقالوا: لا قوة لنا به! فانصرف عنهم، وجعلت العرب تمتنع من قبوله، حتى نزل في بطن ذي قار، في بني شيبان، فلقي هانىء بن مسعود بن عامر بن عمرو بن أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان، فدفع إليه سلاحه، وأودعه بنته وحرمته، ومضى إلى كسرى، فنزل ببابه، فأمر به فقيد، ثم وجه به إلى خانقين، فلقيه عمرو بن عدي بن زيد، فقال: يا نعيم! تصغيرًا به، لقد شددت لك أواخي لا يقلعها إلا المهر الأرن! فقال: أرجو أن تكون قد قرنتها بقارح! فلما مضى به إلى خانقين طرح به تحت الفيلة، فداسته، حتى قتلته، وقرب للأسود فأكلته.
ووجه كسرى إلى هانىء بن مسعود: أن ابعث إلى مال عبدي الذي عندك وسلاحه وبناته، فلم يفعل هانىء، فوجه إليه كسرى بجيش، فاجتمعت ربيعة، وكانت وقعة ذي قار، فمزقت العرب العجم، وكان أول يوم ظفرت فيه العرب بالعجم.