فهرس الكتاب

الصفحة 82 من 319

يأت الذي لا تخاف سبته ... عمرو وقابوس قينتا عرس

يصبح عمرو على الأمور ... وقد خضخض ما للرجال كالفرس

وكان المتلمس حليفًا لطرفة، فكان يساعده على هجائه، فقال لهما عمرو: قد طال ثواكما، ولا مال قبلي، ولكن قد كتبت لكما إلى عاملي بالبحرين يدفع لكل واحد منكما مائة ألف درهم، فأخذ كل واحد منهما صحيفة، فاستراب المتلمس بأمره، فلما صارا عند نهر الحيرة لقيا غلامًا عباديًا فقال له المتلمس: أ تحسن أن تقرأ؟ قال: نعم! قال: اقرأ هذه الصحيفة! فإذا فيها: إذا أتاك المتلمس، فاقطع يديه ورجليه، فطرح الصحيفة، وقال لطرفة: في صحيفتك مثل هذا، قال: ليس يجترىء على قومي بهذا، وأنا بذلك البلد أعز منه. فمضى طرفة إلى عامل البحرين، فلما قرأ صحيفته قطع يديه ورجليه، وصلبه.

ثم ملك أخوه قابوس بن المنذر.

ثم ملك المنذر بن المنذر أربع سنين، وكان هؤلاء الملوك من قبل الأكاسرة يؤدون إليهم الطاعة، ويحملون الخراج.

وكانت قبائل معد مجتمعة عليهم، وكان أشدها امتناعًا غطفان وأسد بن خزيمة، وكان يأتيهم الرجل من معد على جهة الزيارة، فيحيونه ويكرمونه، وكان ضمن إياهم من رؤساء القبائل الربيع بن زياد العبسي، والحارث بن ظالم المري، وسنان بن أبي حارثة والنابغة الذبياني الشاعر، وكانت الملوك تعظم الشعراء، وترفع أقدارهم لما يبقون لهم من المدح والذكر، فكان النابغة مقدمًا عند ملوكهم، ثم شبب بامرأة المنذر في قصيدته التي يقول فيها:

سقط النصيف، ولم ترد إسقاطه ... فتناولته واتقتنا باليد

فنذر المنذر دمه، فهرب إلى الشام إلى ملوك غسان ثم اعتذر إلى المنذر يشعره الذي يقول فيه:

فإنك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أن المنتأى عنك واسع

ويقول:

نبئت أن أبا قابوس أوعدني ... ولا قرار على زأرٍ من الأسد

وكان مع المنذر أهل بيت من بني امرىء القيس بن زيد مناة بن تميم، وكان من أهل ذلك البيت عدي بن زيد العبادي، وكان خطيبًا شاعرًا قد كتب العربية والفارسية، وكان المنذر قد جعل عندهم ابنه النعمان، فأرضعوه، وكان في حجورهم، فكتب كسرى إلى المنذر أن يبعث له بقوم من العرب يترجمون الكتب له، فبعث بعدي بن زيد وأخوين له، فكانوا في كتابه يترجمون له، فلما مات المنذر قال كسرى لعدي بن زيد: هل بقي أحد من أهل هذا البيت يصلح للملك؟ قال: نعم! إن للمنذر ثلاثة عشر ولدًا، كلهم يصلح لما يريد الملك، فبعث، فأقدمهم، وكانوا من أجمل أهل بيت المنذر، إلا ما كان من النعمان، فإنه كان أحمر أبرش قصيرًا، فكان أهل بيت عدي بن زيد الذين ربوه، وأمه سبية يقال لها سلمى، يقال إنها من كلب فأنزلهم عدي بن زيد كل واحد على حدته، وكان يفضل أخوه النعمان عليه في النزل، ويريهم أنه لا يرجوه، ويخلو بهم رجلًا رجلًا، ويقول لهم: إن سألكم الملك هل تكفوني العرب؟ فقولوا له: لن نكفيكهم، إلا النعمان.

وقال للنعمان: إن سألك الملك عن إخوتك، فقل: إن عجزت عنهم، فأنا عن العرب أعجز.

وكان من بني المنذر رجل يقال له الأسود، وكانت أمه من بني الرباب، وكان من الرجال، وكان يحضنه أهل بيت من الحيرة يقال لهم بنو مرينا، كانوا أشرافًا، وكان منهم رجل يقال له عدي بن أوس بن مرينا، كان ماردًا شاعرًا، وكان يقول للأسود بن المنذر: أخي النعمان، إنك قد عرفت أني لك راج، وأن طلبتي إليك ورغبتي أن تخالف عدي بن زيد، فإنه والله ما ينصحك أبدًا! فلم يلتفت إلى قوله، فلما أمر كسرى عدي بن زيد أن يدخلهم عليه، جعل يدخلهم رجلًا رجلًا، فكان يرى رجالًا ما رأى مثلهم، فإذا سألهم: هل تكفوني ما كنتم تكفون؟ قالوا: لن نكفيك العرب، إلا النعمان. فلما دخل عليه النعمان رأى رجلًا وسيمًا، فكلمه فقال: هل تستطيع أن تكفيني العرب؟ قال: نعم! قال: فكيف تصنع بإخوتك؟ قال: إن عجزت عنهم، فأنا عن غيرهم أعجز! فملكه، وكساه وألبسه اللؤلؤ، فلما خرج وقد ملك قال عدي بن أوس بن مرينا للأسود: دونك قد خالفت الرأي.

ومضى النعمان مملكًا على عدي بن مرينا، فأمر قومًا من خاصة النعمان وأصحابه أن يذكروا عدي بن زيد عنده، ويقولوا: إنه يزعم أن الملك عامله، وأنه هو ولاه، ولولاه ما ولي، وكلامًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت