قال غسان بن عباد قلت للفضل يومًا: أيها الأمير لو أمرت أن يتخذ لك ضياع وعقد، فقال: ولم؟ ويحك إن دام ما أنا فيه فالدنيا كلها ضيعتي وعقدي، وإن زال فما أنا فيه لا يزول إلا باصطلام. قال أبو سمير: وكنت أسمع الفضل بن سهل في أيام المأمون كثيرًا ما يقول:
لئن نجوت أو نجت ركائبي ... من غالب ومن لفيف غالب
إني لنجاء من الكرائب
وهو لا يدري من غالب ولا يذهب إلا إلى قريش، حتى دخل عليه غالب الرومي صاحب ركاب المأمون فقتله، فقال الفضل: لك مائة ألف دينار. فقال: ليس بأوان تملق ولا رشوة وقتله.
وكان المأمون كلما مر ببلد أقام فيه، حتى يصلح حاله، وينظر في مصالح أهله، واستخلف على خراسان عند خروجه رجاء بن أبي الضحاك قرابة الحسن بن سهل وكانت خراسان قد استقامت وأعطى ملوكها جميعًا الطاعة وأسلم ملك التبت وقدم على المأمون إلى... بصنم له من ذهب على سرير من ذهب، مرصع بالجوهر، فأرسله المأمون إلى الكعبة يعرف الناس هداية الله لملك التبت ولم تبق ناحية من نواحي خراسان يخاف خلافها، فلما فصل المأمون عن خراسان قلت مداراة رجاء بن أبي الضحاك وضعف في تدبيره، ولم يكن بالحازم في أموره فخاف المأمون أن يضطرب خراسان فعزله، وولى غسان ابن عباد فأحسن السيرة واستمال ملوك النواحي.
ولما صار إلى طوس توفي الرضا علي بن موسى بن جعفر بن محمد بقرية يقال لها النوقان أول سنة 302 ولم تكن علته غير ثلاثة أيام، فقيل إن علي بن هشام أطعمه رمانا فيه سم، وأظهر المأمون عليه جزعا شديدا. فحدثني أبو الحسن بن أبي عباد قال: رأيت المأمون يمشي في جنازة الرضا حاسرا في مبطنة بيضاء، وهو بين قائمتى النعش يقول: إلى من أروح بعدك، يا أبا الحسن! وأقام عند قبره ثلاثة أيام يؤتى في كل يوم برغيف وملح، فيأكله، ثم انصرف في اليوم الرابع، وكانت سن الرضا أربعا وأربعين سنة. وقال أبو الحسن بن أبي عباد سمعت الرضا يقول: إن مشي الرجال مع الرجل فتنة للمتبوع ومذلة للتابع وسمعته يقول: إن في صحف إبراهيم: أيها الملك المغرور! إني لم أبعثك لتبني البنى، ولا لتجمع الدنيا، ولكن بعثتك لترد عني دعوة المظلوم، فإني لا أردها، ولو كانت من كافر.
وقال للمأمون: ما التقت فئتان قط إلا نصر الله أعظمهما عفوًا.
وقال: إنما يؤمر بالمعروف وينهى عن المنكر مؤمن، فيتعظ، فأما صاحب سيف وسوط فلا! إن من تعرض لسلطان جائر فأصابته منه بلية، لم يؤجر عليها، ولم يرزق الصبر فيها.
وقدم المأمون مدينة السلام في شهر ربيع الأول سنة 204، ولباسه ولباس قواده وجنده والناس كلهم الخضرة، فأقام جمعة، ثم نزعها، وأعاد لباس السواد.
وتغيب إبراهيم بن المهدي فلم يدر أين هو، وخرج من منزله، ومعه عبد الله بن صاعد كاتبه وامرأة من أهله، فلما صار في الطريق قال لعبد الله ابن صاعد: ارجع إلى أمي فسلها أن تدفع الجوهر الذي عندها! فرجع عبد الله ومضى هو، فخفي موضعه، وهرب الفضل بن الربيع إلى البصرة فاستتر عند يزيد بن المنجاب المهلبي وأمر المأمون أن يقبض ضياعه وأمواله وعقاراته، ثم صار إلى باب المأمون طالبا للأمان وقد كان بلغ المأمون أنه مات، وشهد عنده بذلك جماعة، فلما قيل للمأمون: هذا الفضل بن الربيع! قال: إن كان بعث من الآخرة فقد بعث الرشيد معه. ثم أدخله، فأعطاه الأمان ومن عليه وأحضره ليلة فقال: هبك تعتذر في محمد بأنه كانت له في عنقك بيعة من الرشيد فما عذرك في ابن شكلة وإنما محله محل المغنين والسفهاء، إذ قويت عزمه على ما خرج إليه من خلعي بعد أن صارت بيعتي في عنقك؟ فقال: يا أمير المؤمنين! ما أجد قلبي مكانه، وقد عظم جرمي عن الاعتذار، وجل ذنبي عن الإقالة، وما أرجو الحياة إلا من سعة عفوك فهب دمي لحرمتي بآبائك! فأمسك عنه ورد عليه ضيعة من ضياعه مبلغ مالها ثلاثمائة ألف درهم وستون ألفًا، قدرها لقوته وقوت عياله.