ثم لهم ما خلف الدرب إلى بلاد الصقالبة والألان والأفرنج، ومن المدن التي في بلاد الروم المشهورة المعروفة مثل: رومية، ونيقية، وقسطنطينية، وأماسية، وخرشنة، وقرة، وعمورية، وصملة، والقلمة، وسلندوا، وهرقلة، وصقلية، وفلطنة، وأنطاكية المحترقة، ودهبرناطة، وملوية، وسلوقية، وأمربه، وقونية، وجنوس، وبلوس، وبراوعس، وسلنيقة.
فارس تدعي لملوكها أمورًا كثيرة، مما لا يقبل مثلها، من الزيادة في الخلقة، حتى يكون للواحد عدة أفواه وعيون، ويكون للآخر وجه من نحاس، ويكون على كتفي آخر حيتان تطعمان أدمغة الرجال، وطول المدة في العمر، ودفع الموت عن الناس، وأشباه ذلك مما تدفعه العقول ويجري فيه مجرى اللعبات والهزل، ومما لا حقيقة له ولم يزل أهل العقول والمعرفة من العجم، ومن له شرف، والبيت الرفيع من أبناء ملوكهم ودهاقينهم، وذوي الرواية والأدب، لا يحققون هذا، ولا يصححونه، ولا يقولونه.
ووجدناهم إنما يحسبون ملك فارس من لدن أردشير بابكان، فمن كان عندهم من أول ملوكهم والمملكة الأولى قبل أردشير: شيومرث سبعين سنة، أوشهنج فيشداد أربعين سنة، طهمورث ثلاثين سنة، جمشاد سبعمائة سنة، الضحاك ألف سنة، أفريدون خمسمائة سنة، منوجهر مائة وعشرين سنة، أفراسياب، ملك الترك، مائة وعشرين سنة، زوطهماسب خمس سنين، كيقباذ مائة سنة، كي كاووس مائة وعشرين سنة، كي خسرو ستين سنة، كي لهراسب مائة وعشرين سنة، كي بشتاسب مائة واثنتي عشرة سنة، كي أردشير مائة واثنتي عشرة سنة، خماني بنت جهرزاد ثلاثين سنة، دارا بن جهرزاد اثنتي عشرة سنة، ثم قتله الإسكندر الذي يقال له ذو القرنين، فافترق ملك فارس، وملك ملوك يسمون ملوك الطوائف، وهؤلاء كان ملكهم ببلخ. ويزعم النسابون انهم من ولد عامورا بن يافث بن نوح، و كانوا على دين الصابئين، يعظمون الشمس والقمر والنار والنجوم السبعة، و لم يكونوا مجوسًا، و لكنهم كانوا على شرائع الصابئين، وكان كلامهم السرياني، به يتكلمون، وبه يكتبون، وهذا رسم خط السرياني، ولهم أخبار قد أثبتت رأينا أكثر الناس ينكرونها ويستبشعونها، فتركناها، لأن مذهبنا حذف كل مستبشع.
وملك أردشير، وهو أول ملوك الفرس المتمجسة، وكان ملكه بإصطخر، وامتنع عليه بعض كور فارس، فحاربهم حتى فتحها، ثم صار إلى أصبهان، ثم صار إلى الأهواز، ثم إلى ميسان، ثم رجع إلى فارس، فحارب ملكا يقال له أردوان، فقتله، وسمى أردشير شاهنشاه، وبنى بيت نار بأردشير خره، ثم صار إلى الجزيرة وأرمينية واذربيجان، ثم صار إلى سواد العراق، فسكنه، وصار إلى خراسان، فافتتح كورًا منها، ولما دوخ البلاد عقد لابنه سابور الملك بعده، وتوجه، وسماه الملك. وتوفي أردشير، وكان ملكه أربع عشرة سنة.
وملك سابور بن أردشير، فغزا بلاد الروم، وفتح منها عدة بلدان، وأسر خلقا من الروم، فبنى مدينة جنديسابور، وأسكنها سبي الروم، وهندس له رئيس الروم القنطرة التي على نهر تستر، وعرضه ألف ذراع.
وفي أيام سابور بن أردشير ظهر ماني بن حماد الزنديق، فدعا سابور إلى الثنوية، وعاب مذهبه، فمال سابور إليه، وقال ماني: إن مدبر العالم اثنان، وهما شيئان قديمان: نور وظلمة، خالقان، فخالق خير، وخالق شر، فالظلمة والنور كل واحد منهما في نفسه اسم لخمسة معان: اللون، والطعم، و الرائحة، والمجسة، والصوت، وإنهما سميعان بصيران عالمان، وإنه ما كان من خير ومنفعة، فهو من قبل النور، وما كان من ضرر وبلاء، فهو من قبل الظلمة، وإنهما كانا غير ممتزجين، ثم امتزجا، والدليل على ذلك أنه لم تكن صورة ثم حدثت، وإن الظلمة هي بدأت للنور بالممازجة، وإنهما كانا متماسين على مثال الظل والشمس، والدليل على ذلك استحالة كون شيء لا من شيء، الدليل على أن الظلمة بدأت للنور بالممازجة، أنه لما كانت مخالطة الظلام للنور مفسدة له كان محالًا أن يكون النور بدأها لأن النور من شأنه الخير. والدليل على أنهما اثنان قديمان خير وشر أنه لما وجدت المادة الواحدة لا يكون منها فعلان مختلفان مثل النار الحارة المحرقة لا يكون منها التبريد، والذي يكون منه التبريد لا يكون منه التسخين، فذلك الذي يكون منه الخير لا يكون منه الشر، والذي يكون منه الشر لا يكون منه الخير.