عنقي، وأبلي عذرًا، فركب راحلته، وأخذ الفلاة، فبينا هو فيها، إذ بركت راحلته وبصر به القوم، فقالوا: هلك عبد المطلب! فقال القرشيون: كلا والله لهو أكرم على الله من أن يهلكه، وإنما مضى لصلة الرحم، فانتهوا إليه، وراحلته تفحص بكركرتها على ماء عذب، روي، قد ساح على ظهر الأرض، فلما رأى القيسيون ذلك أهرقوا أسقيتهم، وأقبلوا نحوهم ليأخذوا من الماء، فقال القرشيون: كلا والله، ألستم الذين منعتمونا فضل مائكم؟ فقال عبد المطلب: خلوا القوم، فإن الماء لا يمنع! فقال القيسيون: هذا رجل شريف سيد، وقد خشينا أن يقضي له علينا، فلما وصلوا إلى سطيح قالوا: إنا قد خبأنا لك خبأ، وأخذ إنسان منهم تمرة في يده فقال: فأخبرنا ما هو؟ فقال: خبأتم لي ما طال، فسمك، ثم أينع، فما هلك، ألق التمرة من يدك! فقالوا: قاتله الله! اخبئوا له خبأ هو أخفى منه، فأخذ إنسان جرادة، فقالوا له: إنا قد خبأنا لك خبأ، فأخبرنا ما هو؟ قال: خبأتم لي ما رجله كالمنشار، وعينه كالدينار، قالوا: إي. قال: ما طار، فسطع، ثم قبض، فوقع، فترك الصيد أنفع. قالوا: ما له، قاتله الله؟ اخبئوا له خبأ هو أخفى من هذا! فأخذوا رأس جرادة، فجعلوه في خرز مزادة، ثم علقوه في عنق كلب لهم يقال له سوار، ثم ضربوه حتى ذهب، ثم رجع على الطريق، فقالوا: قد خبأنا لك خبأ، فأخبرنا ما هو؟ قال: خبأتم لي رأس جرادة، في خرز مزادة، بين عنق سوار والقلادة. قالوا: اقض بيننا! قال: قد قضيت. اختصمتم أنتم وعبد المطلب في ماء بالطائف يقال له ذو الهرم، فالماء ماء عبد المطلب، ولا حق لكم فيه، فأدوا إلى عبد المطلب مائة من الإبل، وإلى سطيح عشرين، ففعلوا.
وانطلق عبد المطلب ينحر ويطعم، حتى دخل مكة، فنادى مناديه: يا معشر أهل مكة! إن عبد المطلب يسألكم بالرحم، لما قام كل رجل منكم حدثته نفسه أن يغنيني عن هذا الغرم، فأخذ مثل ما حدثته نفسه. فقاموا، وأخذوا من بعير واثنين وثلاثة على قدر ما حدثت كل امرىء منهم نفسه، وفضلت بعد ذلك جزائر، فقال عبد المطلب لابنه أبي طالب: أي بني! قد أطعمت الناس، فانطلق بهذه الجزائر، فانحرها على أبي قبيس، حتى يأكلها الطير والسباع، ففعل أبو طالب ذلك، فأصابها الطير والسباع. قال أبو طالب:
ونطعم حتى يأكل الطير فضلنا ... إذا جعلت أيدي المفيضين ترعد
قال أبو إسحاق وغيره من أهل العلم: تزوج عبد المطلب النساء، فولد له الأولاد، ولما كمل عشرة رهط قال: اللهم إني قد كنت نذرت لك نحر أحدهم، وإني أقرع بينهم، فأصب بذلك من شئت. فأقرع فصارت القرعة على عبد الله بن عبد المطلب، وكان أحب ولده إليه، وكان ولده العشرة الحارث، وبه يكنى، وقثم وأمهما صفية بنت جندب من ولد عامر بن صعصعة، والزبير، وأبو طالب، وعبد الله والمقوم، وهو عبد الكعبة، وأم الأربعة فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم، وحمزة وأمه هالة بنت أهيب ابن عبد مناف بن زهرة، والعباس، وضرار وأمهما نتيلة بنت جناب بن كليب بن النمر بن قاسط، وأبو لهب، وهو عبد العزى، و أمه لبني بنت هاجر بن عبد مناف بن ضاطر الخزاعي، والغيداق، وهو جحل، وأمه ممنعة بنت عمرو بن مالك بن نوفل الخزاعي، وكانت بناته ستًا: أم حكيم البيضاء، وعاتكة، وبرة، وأروا وأميمة وأمهن جميعًا فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم، وصفية وأمها هالة بنت أهيب، فانطلق عبد المطلب بعبد الله ليذبحه، وأخذ الشفرة، وأتبعه ابنه الحارث، فلما سمعت ذلك قريش لحقته، وقالت: يا أبا الحارث! إنك إن فعلت ذلك صارت سنة في قومك، ولم يزل الرجل يأتي بولده إلى ههنا ليذبحه، فقال: إني عاهدت ربي، وإني موف له بما عاهدته. فقال له بعضهم: افده! فقام، وهو يقول:
عاهدت ربي، وأنا موفٍ عهده ... أخاف ربي إن تركت وعده
والله لا يحمد شيء حمده
ثم أحضر مائة من الإبل، فضرب بالقداح عليها، وعلى عبد الله، فخرجت على الإبل، فكبر الناس، وقالوا: قد رضي ربك! فقال عبد المطلب:
لهم رب البلد المحرم ... الطيب، المبارك، المعظم
أنت الذي أعنتني في زمزم
ثم قال: إني معيد القداح، فأعادها، فخرجت على الإبل، فقال:
لهم قد أعطيتني سؤالي ... أكثرت بعد قلةٍ عيالي
فاجعل فداه اليوم جل مالي