إذا أصاب قال: أنا ابن هاشم، أنا ابن سيد البطحاء! فقال له الرجل: من أنت يا غلام؟ قال: أنا شيبة بن هاشم بن عبد مناف فانصرف الرجل، حتى قدم مكة فوجد المطلب بن عبد مناف جالسًا في الحجر، فقال: يا أبا الحارث، علمت أني جئت من يثرب، فوجدت غلمانًا يتناضلون. وقص عليه ما رأى من عبد المطلب قال: و إذا أظرف غلام ما رأيته قط. قال المطلب: أغفلته، أما والله لا أرجع إلى أهلي حتى آتيه! فخرج المطلب حتى أتى المدينة عشاء، ثم خرج على راحلته حتى أتى بني عدي بن النجار، فلما نظر إلى ابن أخيه قال: هذا ابن هاشم؟ قال القوم: نعم! وعرف القوم المطلب، قالوا: هذا ابن أخيك، فإن أردت أخذه الساعة لا تعلم أمه، فإنها إن علمت حلنا بينك وبينه. فأناخ راحلته، ثم دعاه: يا ابن أخي! أنا عمك وقد أردت الذهاب بك إلى قومك، فاركب! فما كذب عبد المطلب أن جلس على عجز الراحلة، وجلس المطلب على الرحل، ثم بعثها، فانطلقت، فلما علمت أمه علقت تدعو حربها، فأخبرت أن عمه ذهب به.
ودخل المطلب مكة، وهو خلفه، والناس في أسواقهم ومجالسهم، فقاموا يرحبون به، ويحيونه، ويقولون: من هذا معك؟ فيقول: عبدي ابتعته بيثرب، ثم خرج حتى أتى الحزورة، فابتاع له حلة، ثم أدخله على امرأته خديجة بنت سعيد بن سهم، فلما كان العشي ألبسه، ثم جلس في مجلس بني عبد مناف، وأخبرهم خبره، وجعل بعد ذلك يخرج في تلك الحلة، فيطوف في سكك مكة، وكان أحسن الناس، فتقول قريش: هذا عبد المطلب! فلج اسمه عبد المطلب، وترك شيبة. ولما حضر رحيل المطلب إلى اليمن قال لعبد المطلب: أنت يا ابن أخي أولى بموضع أبيك، فقم بأمر مكة. فقام مقام المطلب، فتوفي المطلب في سفره ذلك بردمان، فقام عبد المطلب بأمر مكة، وشرف وساد، وأطعم الطعام، وسقى اللبن والعسل، حتى علا اسمه، وظهر فضله، وأقرت له قريش بالشرف، فلم يزل كذلك.
قال محمد بن الحسن: لما تكامل لعبد المطلب مجده وأقرت له قريش بالفضل، رأى، وهو نائم في الحجر، آتيا أتاه، فقال له: قم يا أبا البطحاء، واحفر زمزم حفيرة الشيخ الأعظم. فاستيقظ، فقال: اللهم بين لي في المنام مرة أخرى، فرآه يقول: قم فاحفر برة! قال: وما برة؟ قال: مضنة ضن بها على العالمين، وأعطيتها، ثم رأى قائلا يقول له: قم يا أبا الحارث، فاحفر زمزم لا تنزف ولا تذم، تروى الحج الأعظم، ثم رأى ثالثة: قم فاحفر! قال: وما أحفر؟ قال: احفر بين الفرث والدم عند مبحث الغراب الأعصم وقرية النمل، فإذا أبصرت الماء، فقل: هلم إلى الماء الروا، أعطيته على رغم العدا فلما استيقن عبد المطلب أنه قد صدق جلس عند البيت مفكرا في أمره، وذبحت بقرة بالحزورة، فأفلتت، وأقبلت تسعى، حتى طرحت نفسها موضع زمزم، فسلخت هناك، وقسم لحمها، وبقي الفرث والدم، فقال عبد المطلب: الله أكبر! ثم سعى لينظر، فإذا قرية نمل مجتمع في الأرض، فانطلق، فأتى بمعول، وابنه الحارث وحيده، فاجتمعت إليه قريش فقالوا: ما هذه؟ قال: أمرني ربي أن أحفر ما يروي الحجيج الأعظم! فقالوا له: أمر ربك بالجهل، لم لا تحفر في مسجدنا؟ قال: بذلك أمرني ربي. فلم يحفر إلا قليلًا، حتى بدا الطي، فكبر، واجتمعت قريش، فعلمت لما رأت الطي أنه قد صدق، وليس له من الولد يومئذ إلا الحارث، فلما رأى وحدته قال: اللهم! إن لك علي نذرًا، إن وهبت لي عشرة ذكورًا، أن أنحر لك أحدهم وحفر حتى وجد سيوفًا، وسلاحًا، وغزالًا من ذهب مقرطًا، مجزعًا، ذهبًا وفضة، فلما رأت قريش ذلك قالوا: يا أبا الحارث من فوق الأرض ومن تحتها، فأعطنا هذا المال الذي أعطاك الله، فإنها بئر أبينا إسماعيل، فأشركنا معك! فقال: إني لم أؤمر بالمال إنما أمرت بالماء، فأمهلوني! فلم يزل يحفر حتى بدا الماء، فكثر، ثم قال: بحرها لا تنزف، وبنى عليها حوضًا وملأه ماء، ونادى: هلم إلى الماء الروا، أعطيته على رغم العدا. وكانت قريش تفسد ذلك الحوض وتكسره، فرأى في المنام: أن قم، فقل: اللهم! إني لا أحله لمغتسل، ولكن لشارب حل، فقام عبد المطلب، فقال ذلك، فلم يكن يفسد ذلك الحوض أحد إلا رمي بداء من ساعته، فتركوه.
ولما استقام له الماء دعا ستة قداح، فجعل لله قدحين أسودين، وجعل للكعبة قدحين أبيضين، وجعل لقريش قدحين أحمرين، ثم أخذها بيده، واستقبل الكعبة، ثم أفاض، وهو يقول: