فهرس الكتاب

الصفحة 95 من 319

وكان من أحسن الناس وأجملهم، فذكر لقيصر، فأرسل إليه، فلما رآه، وسمع كلامه، أعجبه، وجعل يرسل إليه، فقال هاشم: أيها الملك إن لي قومًا، وهم تجار العرب، فتكتب لهم كتابًا يؤمنهم ويؤمن تجاراتهم، حتى يأتوا بما يستطرف من أدم الحجاز وثيابه، ففعل قيصر ذلك، وانصرف هاشم، فجعل كلما مر بحي من العرب أخذ من أشرافهم الإيلاف أن يأمنوا عندهم وفي أرضهم، فأخذوا الإيلاف من مكة والشام.

قال الأسود بن شعر الكلبي: كنت عسيفًا لعقيله من عقائل الحي اركب الصعبة والذلول، لا أليق مطرحًا من البلاد أرتجي فيه ربحًا من الأموال، إلا يرغب إليه من الشام بخرثيه، وأثاثه، أريد كبة العرب، فعدت، ودهم الموسم فدفعت إليها مسدفًا، فحبست الركاب، حتى انجلى عني قميص الليل، فإذا قباب سامية مضروبة من أدم الطائف، وإذا جزر تنحر وأخرى تساق وأكله وجبنه على الظهار إلا عجلوا ! فبهرني ما رأيت، فتقدمت أريد عميدهم، وعرف رجل شأني، فقال: إمامك! فدنوت، فإذا رجل على عرش سام تحته نمرقة قد كار عمامة سوداء، واخرج من ملاثمها جمة فينانه، كان الشعرى تطلع من جبينه، وفي يده مخصرة، وحوله مشيخة جله منكسو الأذقان، ما منهم أحد يفيض بكلمة، ودونهم خدم مشمرون إلى أنصاف، وإذا برجل مجهر على نشز من الأرض ينادي: يا وفد الله، هلموا الغداء! وانسيان على طريق من طعم يناديان: يا وفد الله! من تغدى فليرجع إلى العشاء! وقد كان نمى إلى من حبر من أحبار اليهود: إن النبي الأمي هذا أوان توكفه، فقلت: لأعرف ما عنده، يا نبي الله! فقال: مه، وكان قد له، فقلت لرجل كان إلى جانبي: من هذا؟ فقال: أبو نضلة هاشم بن عبد مناف، فخرجت، وأنا أقول: هذا والله المجد لا مجد آل جفنة، ومر مطرود بن كعب الخزاعي برجل مجاور في بني هاشم، وبنات له وامرأة في سنة شديدة، فخرج يحمل متاعه ورحله هو وولده وامرأته لا يؤويه أحد، فقال مطرود الخزاعي:

يا أيها الرجل المحول رحله ... هلا نزلت بآل عبد مناف؟

هبلتك أمك لو حللت بدارهم ... ضمنوك من جوع ومن إقراف

عمرو العلى هشم الثريد لقومه ... ورجال مكة مسنتون عجاف

نسبوا إليه الرحلتين كليهما ... عند الشتاء ورحلة الأصياف

الآخذون العهد في آفاقها ... والراحلون لرحلة الإيلاف

وخرج هاشم بتجارات عظيمة يريد الشام، فجعل يمر بأشراف العرب، فيحمل لهم التجارات، ولا يلزمهم لها مؤونة، حتى صار إلى غزة، فتوفي بها ولما هلك هاشم بن عبد مناف جزعت قريش، وخافت أن تغلبها العرب، فخرج عبد شمس إلى النجاشي ملك الحبشة فجدد بينه وبينه العهد، ثم انصرف، فلم يلبث أن مات بمكة، ودفن بالحجون، وخرج نوفل إلى العراق، وأخذ عهدا من كسرى، ثم أقبل، فمات بموضع يقال له سلمان، وقام بأمر مكة المطلب بن عبد مناف. وكان لهاشم من الولد عبد المطلب، والشفاء، وأمهما سلمى بنت عمرو بن زيد بن خداش بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار، واسم النجار تيم الله بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج، ونضلة ابن هاشم وأمه أميمة بنت عدي بن عبد الله، وأسد أبو فاطمة بنت أسد أم علي بن أبي طالب، وأمه قيلة بنت عامر ابن مالك بن المطلب، وأبو صيفي انقرض نسله، إلا من رقيقة بنت أبي صيفي، وصيفي درج صغيرًا، وأمهما هند بنت عمرو بن ثعلبة بن الخزرج، وضعيفة وخالدة، وأمهما واقده بنت أبي عدي، وحنة بنت هاشم، وأمها أم عدي بنت حبيب بن الحارث الثقفية. وكان هاشم لما أراد الخروج إلى الشام حمل امرأته سلمى بنت عمرو إلى المدينة لتكون عند أبيها وأهلها، ومعه ابنه عبد المطلب، فلما توفي أقامت بالمدينة.

وكان المطلب بن عبد مناف قد قام بأمر مكة بعد أخيه هاشم، فلما كبر عبد المطلب بلغ المطلب مكانه ووصف له حاله، ومر رجل من تهامة بالمدينة، فإذا غلمان يتناضلون، وإذا غلام فيهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت