وكانت قريش كلها بالأبطح خلا بني محارب والحارث ابني فهر، ومن بني تيم بن غالب، وهو الأدرم، وبني عامر بن لؤي، فإنهم نزلوا الظواهر، ولما حاز قصي شرف مكة كلها، وقسمها بين قريش، واستقامت له الأمور، ونفى خزاعة، هدم البيت، ثم بناه بنيانًا لم يبنه أحد، وكان طول جدرانه تسع أذرع، فجعله ثماني عشرة ذراعًا، وسقفها بخشب الدوم وجريد النخل، وبنى دار الندوة. وكان لا ينكح رجل من قريش، ولا يتشاورون في أمر، ولا يعقدون لواء بالحرب، ولا يعذرون غلامًا، إلا في دار الندوة، وكانت قريش في حياته، وبعد وفاته، يرون أمره كالدين المتبع، وكان أول من حفر بمكة بعد إسماعيل بن إبراهيم، فحفر العجول في أيام حياته، و بعد وفاته، ويقال إنها في دار أم هانىء بنت أبي طالب.
وكان قصي أول من سمي الدابة الفرس، وكانت له دابة يقال لها العقاب السوداء، وكان لقصي من الولد عبد مناف، وكان يدعى القمر، وهو السيد النهر، واسمه المغيرة، وعبد الدار وعبد العزى، وعبد قصي، ويقال إن قصيًا قال: سميت اثنين بإلهي، وآخر بداري، وآخر بنفسي. وقسم قصي بين ولده، فجعل السقاية والرئاسة لعبد مناف، والدار لعبد الدار، والرفادة لعبد العزى، وحافتي الوادي لعبد قصي، وقال قصي لولده: من عظم لئيمًا شاركه في لؤمه، ومن استحسن مستقبحًا شركه فيه، ومن لم تصلحه كرامتكم، فدلوه بهوانه، فالدواء يحسم الداء. ومات قصي، فدفن بالحجون، ورأس عبد مناف بن قصي، وجل قدره، وعظم شرفه ولما كبر أمر عبد مناف ابنه جاءته خزاعة وبنو الحارث بن عبد مناة بن كنانة يسألونه الحلف ليعزوا به، فعقد بينهم الحلف الذي يقال له حلف الأحابيش، وكان مدبر بني كنانة الذي سأل عبد مناف عقد الحلف: عمرو بن هلل بن معيص بن عامر، وكان تحالف الأحابيش على الركن: يقوم رجل من قريش وآخر من الأحابيش، فيضعان أيديهما على الركن، فيحلفان بالله القاتل، وحرمة هذا البيت، والمقام، والركن، والشهر الحرام على النصر على الخلق جميعًا، حتى يرث الله الأرض ومن عليها، وعلى التعاقد، وعلى التعاون على كل من كادهم من الناس جميعًا ما بل بحر صوفة، وما قام حري وثبير، وما طلعت شمس من مشرقها إلى يوم القيامة، فسمي حلف الأحابيش. فولد عبد مناف بن قصي هاشمًا، واسمه عمرو، وكان يقال له عمرو العلى، وسمي هاشمًا، لأنه كان يهشم الخبز، ويصب عليه المرق واللحم في سنة شديدة نالت قريشًا، وعبد شمس، والمطلب، ونوفلًا، وأبا عمرو، وحنة، وتماضر، وأم الأخثم، وأم سفيان، وهالة، و قلابة، وأمهم جميعًا، إلا نوفلًا وأبا عمرو: عاتكة بنت مرة بن هلال بن فالج بن ذكوان ابن ثعلبة بن بهثة بن سليم، فولدت له هؤلاء، وهي التي جرت حلف الأحابيش وأم نوفل وأبي عمرو: وافدة بنت أبي عدي، وهو عامر بن عبد نهم من بني عامر بن صعصعة، ويقال إن هاشمًا وعبد شمس كانا توأمين، فخرج هاشم، وتلاه عبد شمس، وعقبه ملتصق بعقبه، فقطع بينهما بموسى، فقيل: ليخرجن بين ولد هذين من التقاطع ما لم يكن بين أحد.
وشرف هاشم بعد أبيه، وجل أمره، واصطلحت قريش على أن يولي هاشم بن عبد مناف الرئاسة والسقاية والرفادة فكان إذا حضر الحج قام في قريش خطيبًا، فقال: يا معشر قريش! إنكم جيران الله وأهل بيته الحرام، وأنه يأتيكم في هذا الموسم زوار الله يعظمون حرمة بيته، فهم أضياف الله، وأحق الضيف بالكرامة ضيفه، وقد خيركم الله بذلك، وأكرمكم به، ثم حفظ منكم أفضل ما حفظ جار من جاره، فأكرموا ضيفه وزواره، فإنهم يأتون شعثًا غبرًا من كل بلد على ضوامر كالقداح، وقد أعيوا وتفلوا، وقملوا، وأرملوا، فأقروهم، وأغنوهم! فكانت قريش ترافد على ذلك.
وكان هاشم يخرج مالًا كثيرًا، ويأمر بحياض من أدم، فتجعل في موضع زمزم، ثم يسقى فيها من الآبار التي بمكة، فيشرب منها الحاج، وكان يطعمهم بمكة ومنى وعرفة وجمع، وكان يثرد لهم الخبز واللحم والسمن والسويق، ويحمل لهم المياه، حتى يتفرق الناس إلى بلادهم، فسمي هاشمًا.
وكان أول من سن الرحلتين: رحلة الشتاء إلى الشام ورحلة الصيف إلى الحبشة إلى النجاشي، وذلك أن تجارة قريش لا تعدو مكة، فكانوا في ضيق، حتى ركب هاشم إلى الشام، فنزل بقيصر، فكان يذبح في كل يوم شاة، ويضع جفنة بين يديه، ويدعو من حواليه.