فهرس الكتاب

الصفحة 93 من 319

وكانت حجابه البيت إلى خزاعة، وذلك أن الحجابة كانت إلى أياد، فلما أرادوا الرحيل عن مكة حملوا الركن على جمل، فلم ينهض الجمل، فدفنوه، وخرجوا، وبصرت بهم امرأة من خزاعة حين دفنوه، فلما بعدت أياد اشتد ذلك على مضر، وأعظمته قريش وسائر مضر، فقالت الخزاعية لقومها: اشرطوا على قريش وسائر مضر أن يصيروا إليكم حجابه البيت، حتى أدلكم على الركن، ففعلوا ذلك، فلما أظهروا الركن صيروا إليهم الحجابة، فقدم قصي بن كلاب مكة، والحجابة إلى خزاعة، والإجازة إلى صوفة، وهو الغوث بن مر أخي تميم وكان الحج وإجازة الناس من عرفات إليه، ثم صارت إلى عقبه من بعده، وبنو القيس بن كنانة ينسئون الشهور، ويحلون، ويحرمون، فلما رأى قصي ذلك جمع إليه قومه من بني فهر بن مالك، وحازهم إليه، فلما حضر الحج حال بين صوفة وبين الإجازة، وقامت معه خزاعة وبنو بكر، وعلموا أن قصيا سيصنع بهم كما صنع بصوفه، وأنه سيحول بينهم وبين أمر مكة وحجابه البيت، وانحازوا عنه، وصاروا عليه، فلما رأى ذلك أجمع لحربهم، وبعث إلى أخيه من أمه دراج بن ربيعة العذري، فأتاه أخوه بمن قدر عليه من قضاعة، وقيل: وافى دراج، وقصي قد نصب لحرب القوم، ودراج يريد البيت، فأعان أخاه بنفسه وقومه، فاقتتلوا قتالًا شديدًا بالأبطح، حتى كثرت القتلى في الفريقين، ثم تداعوا إلى الصلح، وأن يحكم ما بينهم رجل من العرب فيما اختلفوا فيه، فحكموا يعمر بن عوف بن كعب بن ليث ابن بكر بن كنانة، فقضى بينهم بأن قصيًا أولى بالبيت وأمر مكة من خزاعة، وأن كل دم أصابه قصي من خزاعة وبني بكر موضوع يشدخه تحت قدميه، وأن ما أصابت خزاعة وبنو بكر من قريش ففيه الدية، فودوا خمسًا و عشرين بدنة وثلاثين حرجًا، وأن يخلوا بين قصي وبين البيت ومكة، فسمي يعمر الشداخ.

ولم يكن بمكة بيت في الحرم، إنما كانوا يكونون بها نهارًا، فإذا أمسوا خرجوا، فلما جمع قصي قريشًا، وكان أدهى من رئي من العرب، أنزل قريشًا الحرم، وجمعهم ليلًا، وأصبح بهم حول الكعبة، فمشت إليه أشراف بني كنانة وقالوا: إن هذا عظيم عند العرب، ولو تركناك ما تركتك العرب. فقال: والله لا أخرج منه، فثبت.

وحضر الحج، فقال لقريش: قد حضر الحج، وقد سمعت العرب ما صنعتم، وهم لكم معظمون، ولا أعلم مكرمة عند العرب أعظم من الطعام، فليخرج كل إنسان منكم من ماله خرجًا! ففعلوا، فجمع من ذلك شيئًا كثيرًا، فلما جاء أوائل الحج نحر على كل طريق من طرق مكة جزورًا، ونحر بمكة، وجعل حظيرة، فجعل فيها الطعام من الخبز واللجم، وسقى الماء واللبن، وغدا على البيت، فجعل له مفتاحًا وحجبة، وحال بين خزاعة وبينه، فثبت البيت في يد قصي، ثم بنى داره بمكة، وهي أول دار بنيت بمكة، وهي دار الندوة.

وروى بعضهم أنه لما تزوج قصي إلى حليل بن حبشية الخزاعي حبي ابنته، وولدت له، أوصى حليلًا عند موته بولاية البيت إلى قصي، وقال: إنما ولدك ولدي، وأنت أحق بالبيت، وكانت حبى بنت حليل بن حبشية قد ولدت لقصي بن كلاب، عبد مناف، وعبد الدار، وعبد العزى، وعبد قصي، وقال آخرون: دفع حليل بن حبشية المفتاح إلى أبي غبشان، وهو سليمان ابن عمرو بن بوي بن ملكان بن أفصى بن حارثة بن عمرو بن عامر، فاشتراه قصي منه وولاية البيت بزق خمر وقعود، فقيل: أخس من صفقة أبي غبشان، ووثبت خزاعة، فقالت: لا نرضى بما صنع أبو غبشان، فوقعت بينهم الحرب، فقال بعضهم:

أبو غبشان أظلم من قصي ... وأظلم من بني فهر خزاعة

فلا تلحوا قصيًا في شراه ... ولوموا شيخكم إذ كان باعه

فولي قصي البيت وأمر مكة والحكم، وجمع قبائل قريش، فأمر لهم بأبطح مكة، وكان بعضهم في الشعاب ورؤوس الجبال، فقسم منازلهم بينهم، فسمي مجمعًا، وفيهم يقول الشاعر:

أبوكم قصي كان يدعى مجمعًا ... به جمع الله القبائل من فهر

وملكه قومه عليهم، فكان قصي أول من أصاب الملك من ولد كعب بن لؤي، فلما قسم أبطح مكة أرباعًا بين قريش، هابوا أن يقطعوا شجر الحرم ليبنوا منازلهم، فقطعها قصي بيده، ثم استمروا على ذلك.

وكان قصي أول من أعز قريشًا، وظهر به فخرها، ومجدها، وسناها، وتقرشها، فجمعها، و أسكنها مكة، وكانت قبل متفرقة الدار، قليلة العز، ذليلة البقاع، حتى جمع الله ألفتها، وأكرم دارها، وأعز مثواها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت