فهرس الكتاب

الصفحة 77 من 319

وكان رئيس الأنصار عمرو بن طلحة الخزرجي من بني النجار، وكانوا يحاربونه بالنهار، ويقرونه بالليل، فيقول: إن قومنا لكرام. وجمع عظماء اليهود وقال: إني مخرب هذه البلدة، يعني المدينة، فقالت الأحبار وعظماء اليهود: إنك لا تقدر على ذلك! قال: ولم؟ قالوا: لأنها لنبي من بني إسماعيل يكون مخرجه من عند البيت المحرم، فخرج، وأخرج معه قومًا من أحبار اليهود، فلما قرب من مكة أتاه نفر من هذيل، فقالوا له: إن هذا البيت الذي بمكة فيه أموال وكنوز وجوهر، فلو أتيته فأخذت ما فيه. وإنما أرادوا أن يفعل، فيهلكه الله. وقيل: إنما أشار عليه قوم أن يهدمه، ويحول حجارته إلى اليمن، فيبني بها هناك بيتا تعظمه العرب، فدعا تبع أحبار اليهود، فذكر ذلك لهم، فقالوا: ما نعلم لله بيتًا في الأرض غير هذا البيت، وما أراده أحد بسوء إلا أهلكه الله.

واعترضته علة في ليلته، فقال له الأحبار: إن كنت أضمرت لهذا البيت مكروها، فارجع عنه، وعظمه، فرجع عما كان أضمر، فأذهب الله عنه العلة، فقتل من أشار عليه بهدمه، وطاف به وعظمه، ونحر، وحلق رأسه، ورأى في النوم أن أكسه، فكساه الخصف، فتجافى، فرأى في نومه أن أكسه، فكساه الملاء المعضد، وقال شعرًا فيه:

وكسونا البيت الذي حرم الل ... ه ملاءً معضدًا، وبرودا

ونحرنا بالشعب ستة آلا ... ف ترى الناس نحوهن ورودا

وأمرنا أن لا تقرب للكع ... بة ميتًا، ولا دمًا مصفودًا

ثم طفنا بالبيت سبعًا وسبعًا ... وسجدنا عند المقام سجودا

وأقمنا فيه من الشهر سبعًا ... وجعلنا لبابه إقليدا

ثم رجع إلى اليمن ومعه الأحبار من اليهود، فتهود هو وقومه، وكان ملكه ثمانيًا وسبعين سنة. ثم تفرقت ملوك قحطان، وملكوا أقوامًا متفرقين منهم: عمرو بن تبع، ثم نزعوه، وملكوا مرثد بن عبد كلال أخًا تبع لأمه، فأقام أربعين سنة.

ثم ملك وليعة بن مرثد تسعًا وثلاثين سنة.

ثم ملك أبرهة بن الصباح، وكان من أحكم ملوك اليمن وأغلظهم، وكان ملكه ثلاثًا وتسعين سنة.

ثم ملك عمرو بن ذي قيقان.

ثم ملك ذو الكلاع.

ثم ملك لخيعة ذو شناتر، فكان من أخبث ملوك حمير وأرداها، وكان يعمل عمل قوم لوط، يبعث إلى الغلام من أبناء الملوك، فيلعب به، ثم يتطلع في غرفة له، وفي فمه السواك، حتى بعث إلى ذي نواس بن أسعد ليلعب به، فدخل، ومعه سكين، فلما خلا به، وثب عليه ذو نواس، وقتله، وحز رأسه، وصيره في الموضع الذي يتطلع منه، فلما خرج صاح به من بالباب من الجيش: يا ذا نواس، لا بأس! فقال: البأس على صاحب الرأس! فنظروا، فإذا به قد قتله، فملكوا ذا نواس. وكان ملك ذي شناتر سبعًا وعشرين سنة.

وملك ذو نواس بن أسعد، وكان اسمه زرعة، فعتا، وهو صاحب الأخدود، وذلك أنه كان على دين اليهودية، وقدم اليمن رجل يقال له عبد الله بن الثامر، وكان على دين المسيح، فأظهر دينه باليمن، وكان إذا رأى العليل والسقيم قال: أدعو الله لك حتى يشفيك، وترجع عن دين قومك! فيفعل ذلك، فكثر من اتبعه.

وبلغ ذا نواس، فجعل يطلب من قال بهذا الدين، ويحفر لهم في الأرض الأخدود، ويحرق بالنار، ويقتل بالسيف، حتى أتى عليهم، فسار رجل منهم إلى النجاشي، وهو على دين النصرانية، فوجه النجاشي إلى اليمن بجيش عليهم رجل يقال له أرياط، وهم في سبعين ألفًا، ومع أرياط في جيشه أبرهة الأشرم، فسار إليه ذو نواس، فلما التقوا انهزم ذو نواس فلما رأى ذو نواس افتراق قومه وانهزامهم ضرب فرسه، واقتحم به البحر، فكان آخر العهد به. وكان ملك ذي نواس ثمانيًا وستين سنة.

ودخل أرياط الحبشي اليمن، فأقام بها عدة سنين، ثم نازعه أبرهة الأشرم الأمر، فافترقت الحبشة مع أرياط طائفة، ومع أبرهة طائفة، وخرجا للحرب، وسار كل واحد إلى صاحبه، فلما التقوا قال أبرهة لأرياط: ما نصنع يا أرياط بأن نقتل الناس بيني وبينك؟ ابرز إلي وأبرز إليك، فأينا أصاب صاحبه انصرف إليه جنده عنه! فبرز كل واحد إلى صاحبه، فضربه أرياط بالحربة، فشرم عينيه، وضربه غلام لأبرهة، فقتله، واجتمعت الحبشة باليمن على أبرهة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت