فأفسد قوم قلب محمد على المأمون وأوقعوا بينهما الشر، وكان الذي يحرضه علي بن عيسى بن ماهان والفضل بن الربيع وزينا له أن يبايع لابنه بولاية العهد من بعده، ويخلع المأمون ففعل ذلك، وبايع لابنه موسى وكان ذلك لثلاث خلون من شهر ربيع الآخر سنة 194، وجمع العهود التي كان كتبها الرشيد بينهما فحرقها، وجرت الوحشة بينهما، وكتب محمد إلى المأمون يأمره بالقدوم عليه في جميع القواد فكتب إليه يعلمه أنه لا سمع عليه في هذا ولا طاعة فكتب إلى من بخراسان من القواد فأجابوه بمثل ذلك، وقالوا: إنما يلزمنا لك الوفاء إذا وفيت لأخيك، وأنت قد نقضت العهود وأحدثت الأحداث، واستخففت بالأيمان والمواثيق.
ووجه محمد إلى أم عيسى بنت موسى الهادي امرأة المأمون يطلب منها جوهرًا كان عندها للمأمون فمنعته، وقالت: ما عندي شيء أملكه، فوجه من هجم منزلها، فانتهب كل ما فيه، وأخذ ذلك الجوهر، فلما انتهى ذلك إلى المأمون جمع القواد الذين قبله، فقال لهم: قد علمتم ما كان أبي شرط علي وعلى محمد وقد نكث ونقض العهود وأوجد السبيل إلى خلعه بنكثه ونقضه وتعرضه لأموالي وأسبابي وأعمالي، وتحريقه الشروط والعهود التي عليه، واستخفافه بحق الله فيما نكث من ذلك، واشتغاله بالخصيان، فاتفق رأيهم على مراسلته، فإن رجع، وإلا خلعوه.
وبلغ محمدًا ذلك، فجمع قواده وذكر لهم خلع المأمون إياه وندبهم إلى الخروج إليه، فاختاروا عصمة بن أبي عصمة السبيعي فسير معه جيشًا كثيفًا، فخرج حتى صار إلى حد خراسان ثم وقف وكتب إليه يحركه على المسير فامتنع، فقال: أخذت علينا البيعة أن لا ندخل خراسان وأخذت عليك ألا تدخلها، ولا ترسل أحدًا إليها، فإن جاءني إنسان من قبل المأمون إلى هاهنا قاتلته، وإلا لم أجز الحد فوجه محمد علي بن عيسى بن ماهان واليا على خراسان، وأمره بإشخاص المأمون ومن معه، وضم إليه من القواد والجند أربعين ألف مرتزق وحملت إليه الأموال ودفع إليه قيد فضة، وقال: إذا قدمت خراسان قيد بهذا القيد المأمون واحمله إلى ما قبلي، فلما أتى المأمون الخبر ندب طاهر بن الحسين بن مصعب البوشنجي للخروج، وقبل ذلك كان قد ولاه كورة بوشنج وأزاح علته بالكراع والأموال، ونفذ، فلقي علي بن عيسى بالري في سنة 195، وعلي بن عيسى في خلق عظيم، وطاهر بن الحسين في خمسة آلاف، فخرج علي بن عيسى في نفر يسير يدور حول العسكر وبصر به طاهر بن الحسين فأسرع إليه في جماعة من أصحابه، فلاقى عليًا وهو على برذون أصفر، وعليه طيلسان كحلي طويل، فدافع عنه من كان معه حتى قتل جماعة وركض، فاتبعه طاهر وحده، فضربه بسيفه حتى أثخنه، وسقط إلى الأرض، فنزل واحتز رأسه، ورجع إلى معسكره ونصب الرأس على رمح ونادى في عسكر علي بن عيسى: قتل الأمير! وبلغ أصحابه به خبره، فانهزموا وأسلموا الخزائن والكراع فلم يبت طاهر حتى حوى جميع ما كان في عسكره فاستأمن إليه كثير من أصحابه.
وكتب طاهر بالفتح إلى المأمون إلى مرو، ووجه بالرأس إليه مع رجل من أصحابه، فلما دخل على ذي الرئاستين سأله عن الخبر، فذهل، وانقطع كلامه فلم يقدر على إجابته، فهال ذلك الفضل ففتح الخريطة، وقرأ الكتب ثم قال: أين الرأس؟ فطلب ما معه، فلم يوجد، وسئل عنه فلم يتكلم، فوجه في طلبه فوجده قد سقط على مقدار ميلين، فحمل وأدخل إلى مرو.
وقرئ الفتح على الناس وبويع للمأمون بالخلافة وخلع محمدًا فأعطى جميع أهل خراسان الطاعة