فهرس الكتاب

الصفحة 287 من 319

بلقائه، فعند الله نحسبه، وإياه نسأل حسن الخلافة من بعده، والمعونة على ما حملني من أمركم، وارغب إليه في التسديد والتوفيق لما يرتضيه فيكم. ثم حض على الطاعة، وأمر بالمناصحة، ونزل.

وقدم الفضل بن الربيع الخزائن وبيوت الأموال ووصية الرشيد، مستهل جمادى الآخرة، وكان محمد بن هارون قد أمر بإظهار الحج فقال له الفضل ابن الربيع: إن أباك أمرني أن أقول لك إنه لن يحج بعدي أحد من خلفاء بني العباس فأقام، وحجت أمه أم جعفر معتمرة شهر رمضان، وقد كانت تقدمت في حفر عين المشاش في أيام الرشيد فقدمت مكة وقد فرغ منها، فبنت المصانع، وجعلت الحياض والسقايات ووجه محمد بعشرين ألف مثقال ذهبا، فجعلت صفائح على باب الكعبة ومسامير الباب والعتبة وأخرج عبد الملك بن صالح من الحبس، وولاه جميع ما كان إليه من الجزيرة وجند قنسرين والعواصم والثغور ورد عليه أمواله وضياعه ودفع إليه ابنه عبد الرحمن وكاتبه قمامة فحبس قمامة في حمام قد أحكم، وأوقد أشد وقود، وطرح معه سنانير، فلم يزل فيه حتى مات، وحبس ابنه فلم يزل محبوسًا.

وقال عبد الملك حين أخرج من الحبس، وذكر ظلم الرشيد له: والله إن الملك لشيء ما نويته، ولا تمنيته، ولا قصدت إليه، ولا ابتغيته، ولو أردته لكان أسرع إلي من السيل إلى الحدور ومن النار إلى يابس العرفج وإني لماخوذ بما لم أجن ومسؤول عما لا أعرف، ولكنه والله حين رآني للملك قمنا، وللخلافة خطرا، ورأى لي يدًا تنالها إذا مدت، وتبلغها إذا بسطت، ونفسا تكمل لخصالها، وتستحقها بخلالها، وإن كنت لم اختر تلك الخصال، ولا اصطنعت تلك الخلال، ولم أترشح لها في سر، ولا أشرت إليها في جهر، ورآها تحن إلى حنين الوالدة، وتميل إلى ميل الهلوك، وخاف أن تنزع إلى أفضل منزع، وترغب في خير مرغب، عاقبني عقاب من قد سهر في طلبها، ونصب في التماسها، وتفرد لها بجهده، وتهيأ لها بكل وسعه، فإن كان إنما حبسني على أني أصلح لها وتصلح لي، وأليق بها وتليق بي، فليس ذلك بذنب فأتوب منه، ولا تطاولت إليه فأحط نفسي عنه، وإن زعم أنه لا صرف لعقابه، ولا نجاة من عذابه، إلا بأن أخرج له من الحكم، والعلم، والحزم والعزم فكما لا يستطيع المضيع أن يكون حافظا كذا لا يستطيع العاقل أن يكون جاهلًا، وسواء عليه عاقبني على عقلي أم عاقبني على طاعة الناس لي، ولو أردتها لأعجلته عن التفكير، وشغلته عن التدبير، ولم يكن لما كان من الخطاب إلا اليسير، ومن بذل المجهود إلا القليل.

وأخرج علي بن عيسى بن ماهان من الحبس، ورد عليه أمواله، وولاه شرطته وقدمه وآثره. وولى أسد بن يزيد بن مزيد أرمينية فقدمها، وقد غلب على ناحية من البلد يحيى بن سعيد الملقب كوكب الصبح وإسماعيل بن شعيب مولى مروان ابن محمد بن مروان وكانا بناحية جرزان فاحتال لهما حتى أخذهما، ثم من عليهما، وخلى سبيلهما، وكان حسن السيرة سخيًا ثم عزله محمد وولى أرمينية إسحاق بن سليمان الهاشمي فوجه إليها ابنه الفضل خليفة له، ولم يزل الفضل بها أيام المخلوع.

وولى محمد بن سعيد بن السرح الكناني اليمن وكان من أهل فلسطين، فأقام بها ثلاث سنين، ثم عزله وولى جرير بن يزيد البجلي فخرج سعيد بن السرح من اليمن بأموال عظام، حتى صار إلى فلسطين فاتخذ الدور والضياع، فلم يزل جرير بن يزيد على اليمن حتى بويع للمأمون.

وقد وجه الرشيد هرثمة بن أعين في جيش إلى رافع بن الليث إلى سمرقند وقد استكثف جمع رافع واستمال أهل الشاش وفرغانة، وأهل خجندة وأشروسنة والصغانيان وبخارى وخوارزم وختل وغيرها من كور بلخ وطخارستان والسغد وما وراء النهر والترك والخرلخي والتغزغز وجنود التبت وغيرهم، واستنصر بهم على قتال السلطان وقتل المسلمين وصار إلى مدينة سمرقند فتحصن بها، فلم يزل هرثمة محاربًا له حتى قتل خلق من أصحابه.

ثم استعان رافع بجيغويه الخرلخي وكان جيغويه هذا قد أسلم على يد المهدي فجعل يخادع هرثمة ويوهمه أنه معه، ومعونته وهواه لرافع ثم أظهر المعصية، والخلع فقوى أمر رافع بمكانه، وأحرق السواد بالنار، وتبرأ من أهله، ودعا لغير بني هاشم وأخذ هرثمة بإكظامهم، حتى ضرع رافع إلى الأمان فأمنه، فخرج إليه بولده وأهل بيته وأمواله، وذلك في المحرم سنة 194، فكتب المأمون إلى محمد بالفتح، وأعلمهم ما كان من تدبيره واجتهاده، حتى فتح الله عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت