فهرس الكتاب

الصفحة 289 من 319

للمأمون فحدثني أحمد بن عبد الرحمن الكلبي قال: سلم على المأمون بالخلافة وصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على محمد، ثم قال: أيها الناس إني جعلت لله على نفسي أن استرعاني أموركم أن أطيعه فيكم، ولا أسفك دما عمدًا لا تحله حدوده وتسفكه فرائضه، ولا آخذ لأحد مالًا، ولا أثاثًا، ولا نحلة تحرم على، ولا أحكم بهواي في غضبي ولا رضاي إلا ما كان في الله له، جعلت ذلك كله لله عهدا مؤكدًا، وميثاقًا مشددًا، إني أفي رغبة في زيادته إياي في نعمي، ورهبة من مسألتي إياي عن حقه وخلفه، فإن غيرت، أو بدلت، كنت للعبر مستأهلا، وللنكال متعرضا، وأعوذ بالله من سخطه وارغب إليه في المعونة على طاعته، وأن يحول بيني وبين معصيته ولما بلغ محمدًا قتل علي بن عيسى بن ماهان وانهزام عسكره ومصيرهم إلى حلوان وخلع أهل خراسان له واجتماع كلمتهم على المأمون وأن طاهرا قد قوي بما صار في يده من الأموال والسلاح والكراع وكتب إليه المأمون ألا يعرج دون بغداد وأن يقصدها وجه عبد الرحمن بن جبلة إليه وأمره أن يضم إليه من بحلوان من القواد والجند الذين كانوا مع علي بن عيسى فلقي طاهرا بهمذان في ذي القعدة سنة 195، فقتله طاهر واستباح كل ما في عسكره فوجه محمد عبد الله بن حميد بن قحطبة الطائي فرجع من حلوان.

ووثب بالشام رجل يقال له علي بن عبد الله بن خالد بن يزيد بن معاوية يدعو إلى نفسه، فوجه إليه محمد بالحسين بن علي بن ماهان فلما صار الحسين إلى الرقة أقام ولم ينفذ إليه، وتوفي داود بن يزيد المهلبي عامل السند فاستخلف ابنه ووثب مالك بن لبيد اليشكري بالسواد فدعا للمأمون. وبلغ محمد بن أبي خالد القائد وكان شيخ قواد الحربية والمطاع فيهم أن محمدًا قد عزم على قتله والفتك به، فجمع إليه أهل الحربية والأبناء، ثم وثبوا بمحمد فوجه إليهم محمد... فتحاربوا بموضع ببغداد يقال له باب الشام فكانت تلك الحرب أول حرب وقعت ببغداد في تلك السنة. وكان عامل محمد بمصر حاتم بن هرثمة بن أعين، فعزله وولى جابر بن الأشعث الخزاعي سنة 195، فلما قدم جابر بن الأشعث لم يدع للمأمون على المنابر كما كان يدعى بعد محمد، فشغب الجند، وقالوا: لا طاعة! فأعطاهم عطاءين.

وقدم يحيى بن محمد المديني بكتاب المأمون، فامتنع جابر بن الأشعث من البيعة له، وأقام على طاعة محمد، فوثب السري بن الحكم البلخي، وكان أحد قواد مصر، وجماعة معه، ودعوا الجند إلى البيعة للمأمون، ووعدوهم رزق سنتين، فأجابوا إلى ذلك، وأخرجوا جابر بن الأشعث من دار الإمارة، وصيروا مكانه عباد بن محمد، وكان عباد خليفة هرثمة بن أعين في البلد، فدعا للمأمون بالخلافة في رجب سنة 196... قوم، فوجه إليهم عبد بن حكيم بن كون، ومحمد بن صعير، فكانت بينهم وقعة، ثم سلموا وبايعوا، وكتب محمد إلى رجل يقال له ربيعة بن قيس الحرشي، بولاية مصر، فجمع إليه أهل الحوف وغيرهم، وقاتل عباد بن محمد، وزحف إليه حتى صار إلى قرب الفسطاط، فكانت بينهم وقعات وغلب عبادًا على البلد، إلى أن وجه المأمون بالمطلب بن عبد الله الخزاعي عاملًا على مصر.

وتوفي عبد الملك بن صالح بالرقة في هذه السنة، وهي سنة 196، وكان عامل محمد بن هارون على الجزيرة وجند قنسرين والعواصم والثغور واضطرب البلد بعد وفاته، وتغلب كل رئيس قوم عليهم، وصار الناس حزبين: حزب يظاهر بمحمد وحزب يظاهر بالمأمون، فلم يبق بلد إلا وفيه قوم يتحاربون لا سلطان يمنعهم ولا يدفعهم، وأخذ طاهر من ناحية الجبل إلى الأهواز، وقتل محمد بن يزيد بن حاتم عامل محمد وجيلويه الكردي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت