محظوظًا، ويتبين لنا من شرح الحديث ان الذي لا يستعمل هاتين النعمتين فيما ينبغي فقد غُبن أصحابهما بعد استعمالهما فيما وصفا لأجله، (( فقد يكون الإنسان صحيحًا ولا يكون متفرغًا للعبادة لاشتغالهِ بالمعاش وبالعكس فإذا اجتمع له الصحة والفراغ وقصر في نيل الفضائل فذلك الغبن كل الغبن لأن الدنيا سوق الأرباح ومزرعة الآخرة ... فمن استعمل فراغهُ وصحتهِ في طاعة مولاهُ فهو المغبوط ومن استعملها في معصية الله فهو المغبون لأن الفراغ يعقبه الشغل والصحة يعقبها السقم ولو لم يكن الا الهدم ) ) [1] .
من ذلك نرى أهمية النعمتين وكيف ان باستعماله المسلم ان يحصل على الآخرة بواسطتهما، ولأهميتهما لم يذكرهما صراحة في بداية الحديث فما يحدث رغبة وحبًا في الاطلاع عليهما ومعرفتهما.
ومن هذا النمط من التقديم في الحديث الشريف كثير، كقوله (- صلى الله عليه وسلم -) : (( شهران لا ينقصان: شهرًا عيد رمضان، وذو الحجة ) ) [2] .
ويقدم المسند على المسند إليه للقصر كقولهم (تميمي أنا) لمن يردوك بين قيس وتميم [3] ، وكقولهم (شار خالد) متقدم المسند خوفًا من ان يشك احدهم بأنه غير ذلك ولقصرهِ على الشاعرية لا غيرها كالكتابة.
وقد يقدم الخبر على المبتدأ لغرض القصر، كقصر الصفة على الموصوف كتقديم اله على الله في قوله (- صلى الله عليه وسلم -) (( بُني الإسلام على خمسٍ شهادة ان لا إله إلا الله وان محمدًا رسول الله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان ) ) [4] .
(1) ارشاد الساري: 13/ 413.
(2) صحيح البخاري: 3/ 35.
(3) ينظر مفتاح العلوم: 140.
(4) صحيح البخاري: 3/ 9.