فإنك إذا قلت ما أنا قلت هذا لا يجوز ان تقول ولا أحد غيري فإنك تناقض نفسك بهذا القول وهذا لا يجوز، فإنك إذا نفيت القول عنك فلابد ان يكون أحد غيرك قد قالهُ لذلك لا يجوز أن تنفي القول بهذا الشكل. لكنك تستطيع ان تقول (( ما قلت هذا ولا قالهُ أحد من الناس ولا يصح ذلك في الوجه الآخر فلو قلت ما أنا قلت هذا ولا قالهُ أحد من الناس كان في التناقض ) ) [1] .
وقد ورد في الحديث الشريف في هذا المعنى (( لما صالح رسول الله(- صلى الله عليه وسلم -) أهل الحديبية كتب عليٌ بينهم كتابًا فكتب محمد رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) فقال المشركون لا تكتب محمد رسول الله لو كنت رسولًا لم نقاتلك، فقال لعلي: امحهُ فقال علي: ما أنا بالذي امحاهُ فمحاه رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) بيده )) [2] فتقديمهُ للمسند إليه المسبوق بالنفي يدل على انَّ عليًا لم يمح ما كتب بعد ان أمره الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) ليس عصيانًا لكلام الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) حاشاه من ان يعصي أمرهُ، (( بل علم بالقرينة ان الأمر ليس للإيجاب ) ) [3] فهو ينفي عن نفسه فعله للأمر ولكن قد يفعله غيره. ومنه ما جاء في القرآن الكريم قوله تعالى: {قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ (91) قَالَ يَاقَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} [4] .
قال الزمخشري في تفسير الآيتين: (( وقد دلّ ايلاء ضميره حرف النفي على ان الكلام واقع في الفاعل لا في الفعل كأنه قيل(وما أنت علينا بعزيز) بل رهطك هم الأعزة
(1) ينظر دلائل الاعجاز: 99.
(2) صحيح البخاري: 3/ 241.
(3) ارشاد الساري: 6/ 159.
(4) سورة هود، الآيتان: 91 و 92.