خطب رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) خطبته هذه بعد معركة مؤتة التي قتل فيها أمراء الجيش الثلاثة (زيد ابن حارثة وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة الانصاري) والذين استشهدوا ثم أخذ الراية خالد ابن الوليد من غير امرة من رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) .
والخطبة تدور حول أمور المعركة وظروفها وتوالي أمراء الجيش في قيادته واستشهادهم، لذلك ترى تقدم المفعول به (الراية) على الفاعل (زيد) فالاهتمام متوجه نحو الراية غير اننا لا ننكر أهمية الأمراء الثلاثة عند رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) ، قال انس (وان عينيه لتذرفان) فحزن رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) واضح لكن لا خوف عليهم لأنهم شهداء لهم الجنة، الا ان الخوف على الجيش المتبقي متمثلًا في راية المسلمين، فكان تقديم (الراية) مناسبًا لجو الخطبة وجو المعركة فأعين المسلمين مصوبةٌ نحو الراية؛ لأنها تمثل النصر للمسلمين والحفاظ عليها واجب على كل مسلم على أرض المعركة.
ومن هذا النمط من التقديم، قوله (- صلى الله عليه وسلم -) : (( إنَّ الدين يُسر ولم يُشاد الدين احد إلا غلبهُ، فسددوا وقاربوا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة ) ) [1] .
وتقديم المفعول به (الدين) للاهتمام أيضًا بالدين ولأن موضوع الكلام هو الدين ويسره وسهولته على المسلمين، (ولن يشادَّ الدين أحد) (( أي لا يتعمق أحد في الدين ويترك الرفق الا غلبهُ الدين وعجز وانقطع عن عملهِ كله أو بعضه ) ) [2] .
وهكذا نرى انهُ متى ما كان المفعول به هو محط الاهتمام ومحور الكلام قُدم على الفاعل وأخذ موقعًا غير موقعه للتركيز عليه وإبرازه، فأنت إذا ما وضعت الشيء في غير موضعه كان جالبًا للانتباه بارزًا محط للأنظار عكس إذا ما كان في مكانه فقد لا يكون
(1) صحيح البخاري: 1/ 16.
(2) ارشاد الساري: 1/ 180.