قال الحافظ الذهبي رحمه الله: عائشة أم المؤمنين بنت الإمام الصديق الأكبر، خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي بكر عبد الله بن أبي قحافة عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب ابن سعد بن تيم ابن مرة، بن كعب بن لؤي القرشية التيمية، المكية، النبوية، أم المؤمنين، زوجة النبي صلى الله عليه وسلم، أفقه نساء الأمة على الإطلاق.
وأمها هي أم رومان بنت عامر بن عويمر بن عبد شمس بن عتاب بن أذينة الكنانية. هاجر بعائشة أبواها، وتزوجها نبي الله قبل مهاجره بعد وفاة الصديقة خديجة بنت خويلد، وذلك قبل الهجرة ببضعة عشر شهرا، وقيل: بعامين. ودخل بها في شوال سنة اثنتين، منصرفه صلى الله عليه وسلم من غزوة بدر، وهي ابنة تسع.
روت عن النبي صلى الله عليه وسلم علمًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه. وكانت امرأة بيضاء جميلة. ومن ثم ... يقال لها: الحميراء. ولم يتزوج النبي صلى الله عليه وسلم بكرا غيرها، ولا أحب امرأة حبها. ولا أعلم في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، بل ولا في النساء مطلقا، امرأة أعلم منها. وإن كان للصديقة خديجة شأوٌ لا يُلحق، وأنا واقف في أيتهما أفضل. نعم جزمت بأفضلية خديجة عليها لأمور ليس هذا موضعها.
وعن علي بن زيد بن جدعان، عن جدته، عن عائشة أنها قالت: لقد أعطيت تسعا ما أعطيتها امرأة بعد مريم بنت عمران: لقد نزل جبريل بصورتي في راحته حتى أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتزوجني، ولقد تزوجني بكرا، وما تزوج بكرا غيري، ولقد قبض ورأسه في حجري، ولقد قبرته في بيتي، ولقد حفت الملائكة ببيتي، وإن كان الوحي لينزل عليه وإني لمعه في لحافه، وإني لابنة خليفته وصديقه، ولقد نزل عذري من السماء، ولقد خلفت طيبة عند طيب، ولقد وعدت مغفرة ورزقا كريما. رواه أبو بكر الآجري وإسناده جيد ( [180] ) .
وكان تزويجه صلى الله عليه وسلم بها إثر وفاة خديجة، فتزوج بها وبسودة في وقت واحد، ثم دخل بسودة، فتفرد بها ثلاثة أعوام حتى بنى بعائشة في شوال بعد وقعة بدر. فما تزوج بكرا سواها، وأحبها حبا شديدا كان يتظاهر به، وما كان عليه السلام ليحب إلا طيبا.
وعن عائشة، قالت: كان الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة. قالت: فاجتمعن صواحبي إلى أم سلمة، فقلن لها: إن الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة، وإنا نريد الخير كما تريده عائشة، فقولي لرسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر الناس أن يهدوا له أينما كان. فذكرت أم سلمة له ذلك. فسكت، فلم يرد عليها. فعادت الثانية. فلم يرد عليها. فلما كانت الثالثة قال: «يا أم سلمة، لا تؤذيني في عائشة، فإنه والله ما نزل علي الوحي وأنا في لحاف امرأة منكن غيرها» . متفق على صحته ( [181] ) .
وهذا الجواب منه دال على أن فضل عائشة على سائر أمهات المؤمنين بأمر إلهي وراء حبه لها، وأن ذلك الأمر من أسباب حبه لها. وعن عاصم بن كليب، عن أبيه قال: انتهينا إلى علي رضي الله عنه، فذكر عائشة، فقال: خليلة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال الذهبي: هذا حديث حسن. وهذا يقوله أمير المؤمنين في حق عائشة مع ما وقع بينهما، فرضي الله عنهما.
ولا ريب أن عائشة ندمت ندامة كلية على مسيرها إلى البصرة وحضورها يوم الجمل، وما ظنت أن الأمر يبلغ ما بلغ. فعن عمارة بن عمير، عمن سمع عائشة: إذا قرأت: (َقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ) ( [182] ) بكت حتى تبل خمارها.
وفي صحيح البخاري عن عمار بن ياسر، سمعه على المنبر يقول: إنها لزوجة نبينا صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة. يعني عائشة ( [183] ) .
وعن علي بن الأقمر، قال: كان مسروق إذا حدث عن عائشة، قال: حدثتني الصديقة بنت الصديق، حبيبة حبيب الله، المبرأة من فوق سبع سماوات فلم أكذبها ( [184] ) . وعن عروة عن عائشة: أنها تصدقت بسبعين ألفا; وإنها لترقع جانب درعها رضي الله عنها. وعن أم ذرة، قالت: بعث ابن الزبير إلى عائشة بمال في غرارتين، يكون مئة ألف، فدعت بطبق، فجعلت تقسم في الناس، فلما أمست، قالت: هاتي يا جارية فطوري. فقالت أم ذرة: يا أم المؤمنين، أما استطعت أن تشتري لنا لحما بدرهم؟ قالت: لا تعنفيني، لو أذكرتيني لفعلت ( [185] ) .