هو: سلمان ابن الاسلام، أبو عبد الله الفارسي سابق الفرس إلى الاسلام، صحب النبي صلى الله عليه وسلم وخدمه وحدث عنه، ويقال له سلمان الخير، أصله من أصبهان وقيل من رامهرمز، أول مشاهده الخندق.
وكان لبيبا حازما، من عقلاء الرجال وعبادهم ونبلائهم. ولإسلامه قصة فيها طول، وفي بعضها ما يُستنكر ومما صح منها ما رواه بقي بن مخلد في مسنده عن أبي الطفيل، عن سلمان قال: خرجت في طلب العلم إلى الشام. فقالوا لي: إن نبيا قد ظهر بتهامة، فخرجت إلى المدينة، فبعثت إليه بقباع من تمر، فقال: «أهديةٌ أم صدقة» قلت: صدقة. فقبض يده، وأشار إلى أصحابه أن يأكلوا. ثم أتبعته بقباع من تمر، وقلت: هذا هدية، فأكل وأكلوا. فقمت على رأسه، ففطن، فقال بردائه عن ظهره فإذا في ظهره خاتم النبوة، فأكببت عليه، وتشهدت. قال الذهبي ( [112] ) : إسناده صالح.
قال النووي ( [113] ) : وسبب إسلامه مشهور، وأنه هرب من أبيه، وكان مجوسيًا، فلحق براهب، ثم جماعة من الرهبان واحد بعد واحد، يصحبهم إلى وفاتهم، إلى أن دله الأخير على الذهاب إلى الحجاز، وأخبره بظهور النبى صلى الله عليه وسلم، فقصده مع عرب، فغدروا به وباعوه في وادى القرى ليهودى، ثم اشتراه منه يهودى من قريظة، فقدم به المدينة، فأقام بها مدة حتى قدمها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتاه بصدقة فلم يأكل منها، ثم بعد مدة أتاه بهدية فأكل منها، ثم رأى خاتم النبوة، وكان الراهب الأخير وصف له هذه العلامات الثلاث للنبى صلى الله عليه وسلم. قال سلمان: فرأيت الخاتم فقبلته وبكيت، فأجلسنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين يديه، فحدثنى بشأنى كله. وفاتنى معه بدر وأُحُد بسبب الرق، فقال لى: «يا سلمان، كاتب عن نفسك» ، فلم أزل بصاحبى حتى كاتبته على أن أغرس له ثلاثمائة نخلة، وعلى أربعين أوقية ذهب، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: «أعينوا أخاكم سلمان بالنخل» ، فأعانونى حتى اجتمعت لى، فقال: «فقربها ولا تضع منها شيئًا حتى أضعه بيدى» ، ففعلت، فأعاننى أصحابه حتى فرغت، فأتيته فكنت آتيه بالنخلة فيضعها ويسوى عليها التراب، فوالذى بعثه بالحق نبيًا ما ماتت منها واحدة وبقى الذهب، فجاء رجل بمثل البيضة من ذهب أصابه من بعض المعادن، فقال: ادع سلمان المسكين الفارسى المكاتب، فقال: أدِّ هذه ( [114] ) .
وعن طارق بن شهاب، عن سلمان قال: إذا كان الليل، كان الناس منه على ثلاث منازل: فمنهم من له ولا عليه، ومنهم من عليه ولا له، ومنهم من لا عليه ولا له! فقلت: وكيف ذاك؟ قال: أمَّا من له ولا عليه، فرجل اغتنم غفلة الناس وظلمة الليل، فتوضأ وصلى، فذاك له ولا عليه، ورجل اغتنم غفلة الناس، وظلمة الليل، فمشى في معاصي الله، فذاك عليه ولا له، ورجل نام حتى أصبح، فذاك لا له ولا عليه. قال طارق: فقلت: لأصحبن هذا. فضرب على الناس بعث، فخرج فيهم، فصحبته وكنت لا أفضله في عمل، إن أنا عجنت خبز وإن خبزت طبخ، فنزلنا منزلًا فبتنا فيه، وكانت لطارق ساعة من الليل يقومها، فكنت أتيقظ لها فأجده نائما، فأقول: صاحب رسول الله خير مني نائم، فأنام ثم أقوم فأجده نائما فأنام، إلا أنه كان إذا تعار من الليل قال وهو مضطجع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شئ قدير. حتى إذا كان قبيل الصبح قام فتوضأ ثم ركع أربع ركعات. فلما صلينا الفجر قلت: يا أبا عبد الله! كانت لي ساعة من الليل أقومها وكنت أتيقظ لها فأجدك نائما، قال: يا ابن أخي! فإيش كنت تسمعني أقول؟ فأخبرته، فقال: يا ابن أخي تلك الصلاة، إن الصلوات الخمس كفارات لما بينهن، ما اجتنبت المقتلة، يا ابن أخي عليك بالقصد فإنه أبلغ ( [115] ) .
وعن أبي وائل قال: ذهبت أنا وصاحب لي إلى سلمان، فقال: لولا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهانا عن التكلف، لتكلفت لكم. فجاءنا بخبز وملح. فقال صاحبي: لو كان في ملحنا صعتر. فبعث سلمان بمطهرته، فرهنها فجاء بصعتر، فلما أكلنا، قال صاحبي: الحمد لله الذي قنعنا بما رزقنا، فقال سلمان: لو قنعت لم تكن مطهرتي مرهونة ( [116] ) .وعن بقيرة امرأة سلمان أنها قالت لما حضره الموت: دعاني وهو في علية له لها أربعة أبواب، فقال: افتحي هذه الأبواب فإن لي اليوم زوارا لا أدري من أي هذه الأبواب يدخلون علي، ثم دعا بمسك فقال: أديفيه في تور ثم انضحيه حول فراشي، فاطلعت عليه فإذا هو قد أخذ روحه فكأنه نائم على فراشه ( [117] ) .وقوله: أديفيه: أي اخلطيه، والتور: إناء من صفر أو حجارة، يوضع فيه الماء.
قال العباس بن يزيد البحراني: يقول أهل العلم: عاش سلمان ثلاث مئة وخمسين سنة، فأما مئتان وخمسون، فلا يشكون فيه.