وهي أمُّ المؤمنين خديجة بنت خويلد القرشية الأسدية زوج النبي صلى الله عليه وسلم وأول من صدقت ببعثته مطلقا، سيِّدة نساء العالمين في زمانها، أمّ أولاد رسول الله صلى الله عليه وسلم (سوى إبراهيم) ، وأوَّلُ مَن آمن به وصدَّقه قبل كلِّ أحد، وثبَّتتْ جَأشَه ... ومناقبُها جَمَّة، وهي مِمَّن كمُل من النساء، كانت عاقلةً جليلةً ديِّنةً مصونةً كريمةً، من أهل الجنَّة، وكان النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُثني عليها ويفضِّلها على سائر أمّهات المؤمنين، ويُبالغ في تعظيمها ... ومِن كرامتها عليه صلى الله عليه وسلم أنَّه لَم يتزوَّج امرأةً قبلها، وجاءه منها عدّةُ أولادٍ، ولَم يتزوّج عليها قطُّ، ولا تَسَرَّى إلى أن قضت نَحْبَها، فوَجَدَ لفَقْدها؛ فإنَّها كانت نِعمَ القرين ( [159] ) .
وقال الحافظ ابن كثير بعد أن تكلم على المفاضلة بينها وبين أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: والحق أن كلا منهما لها من الفضائل ما لو نظر الناظر فيه لبهره وحيَّره، والأحسن التوقف في ذلك ورد علم ذلك إلى الله عزوجل. ومن ظهر له دليل يقطع به، أو يغلب على ظنه في هذا الباب، فذاك الذي يجب عليه أن يقول بما عنده من العلم. ومن حصل له توقف في هذه المسألة أو في غيرها، فالطريق الأقوم والمسلك الأسلم أن يقول: الله أعلم ( [160] ) .
قال تقي الدين السبكي: والذي نختاره وندين الله تعالى به أن فاطمة أفضل، ثم خديجة، ثم عائشة. انتهى كلام السبكي ( [161] ) . قال الصالحي بعد أن نقل كلام السبكي والكلام في التفضيل صعب، فلا ينبغي التكلم إلا بما ورد، والسكوت عما سواه وحفظ الأدب ( [162] ) .
وقد روى الإمام البخاري ومسلم والترمذي والنسائي ( [163] ) ، من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبدالله بن جعفر، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد» قال ابن كثير: أي خير زمانهما ( [164] ) .
قال ابن كثير في البداية والنهاية (3/ 129) : وروى شعبة عن معاوية بن قرة عن أبيه قرة بن اياس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كمل من الرجال كثير لم يكمل من النساء إلا ثلاث مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون وخديجة بنت خويلد وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام. رواه ابن مردويه في تفسيره وهذا اسناد صحيح إلى شعبة وبعده قالوا: والقدر المشترك بين الثلاث نسوة آسية ومريم وخديجة أن كلًا منهما كفلت نبيًا مرسلًا وأحسنت الصحبة في كفالتها وصدقته فآسية ربت موسى وأحسنت إليه وصدقته حين بعث ومريم كفلت ولدها أتم كفالة وأعظمها وصدقته حين أرسل وخديجة رغبت في تزويج رسول الله صلى الله عليه وسلم وبذلت في ذلك أموالها كما تقدم وصدقته حين نزل عليه الوحي من الله عز وجل.
وقال ابن عبد البر في الاستيعاب في معرفة الصحابة (2/ 87) : لا يختلفون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يتزوج في الجاهلية غير خديجة ولا تزوج عليها أحدًا من نسائه حتى ماتت ولم تلد له من المهارى غيرها، وهي أول من آمن بالله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم وهذا قول قتادة والزهري وعبد الله بن محمد بن عقيل وابن اسحاق وجماعة، قالوا: خديجة أول من آمن بالله من الرجل والنساء ولم يستثنوا أحدًا.
وقال ابن الأثير في أسد الغابة (1/ 1337) : أول امرأة تزوجها وأول خلق الله أسلم بإجماع المسلمين لم يتقدمها رجل ولا امرأة.
وقال الإمام النووي - رحمه الله تعالى: إنه الصواب عند جماعة من المحققين ( [165] ) ، قال: فخفف الله بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان لا يسمع بشئ، يكرهه من الرد عليه، فيرجع إليها، فتثبته وتهون عليه.
وروى الطبراني بإسناد جيد والدولابي عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذكر خديجة رضي الله عنها لم يكد يسأم من ثناء عليها واستغفار لها، فذكرها ذات يوم فاحتملتني الغيرة، إلى أن قلت: لقد عوضك الله من كبيرة، قالت: فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم غضب غضبًا شديدًا، سقط في جلدي، فقلت: اللهم إنك إن إذهبت عني غضب رسول الله لم أذكرها بسوء ما بقيت، قالت: فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قد لقيت، قال: كيف