إن حق التحليل و التحريم كما سبق تقريره, إختص به الله - سبحانه وتعالى - وحده دون غيره. فمن نازعه في ذلك, فقد نازعه في أخص خصائصه و أشرك به - سبحانه وتعالى -.
قال - سبحانه وتعالى: {ولا يشرك في حكمه أحدا} [1] و في قراءة بن عامر من السبعة {ولا تشرك في حكمه أحدا} بصيغة النهي.
ولقد أجمع علماء أهل السنة والجماعة قاطبة, على تكفير من حرّم شيئا قد حللته الشريعة, أو حلل شيئا قد حرمته الشريعة, أو جحد شيئا معلوما من الدين بالضرورة, أو استهزأ به أو أعرض عنه أو شرع شيئا, فإن مطلق التشريع كفر, و قد نقل هذا جمع من العلماء منهم ابن حزم في المحلى والشاطبي في الاعتصام, و ابن تيمية في الفتاوى و غيرهم كثير. قال الإمام أبو يعلى - رحمه الله: (ومن اعتقد تحليل ما حرم الله بالنص الصريح, أو من رسوله - صلى الله عليه وسلم - أو أجمع المسلمون على تحريمه فهو كافر, كمن أباح شرب الخمر ومنع الصلاة والصيام والزكاة, وكذلك من اعتقد تحريم شيء حلله الله و أباحه بالنص الصريح, أو أباحه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو المسلمون مع العلم بذلك, فهو كافر, كمن حرم النكاح والبيع والشراء على الوجه الذي أباحه الله عز وجل ... ومن فعل ذلك فهو كافر بإجماع المسلمين) . و قال القاضي عياض - رحمه الله: (و كذلك أجمع المسلمون على تكفير من استحل القتل أو شرب الخمر أو الزنا مما حرم الله, بعد علمه بتحريمه, كأصحاب الإباحة من القرامطة, وبعض غلاة الصوفية, وكذلك نقطع بتكفير كل من كذب أو أنكر قاعدة من
(1) الكهف [26]