كانت هذه المسألة ضمن الاستفتاءات التي وجهت لفقهاء المغرب سنة 1040هـ 1630م حيث سأل المستفتي: هل يتوقف الجهاد - في حالة وجوبه على وجود الإمام وإذنه أم لا؟ وتزامن هذا الاستفتاء, مع فترة حرجة في عهد السعديين, عقد فيها الملوك لواء الود والمهادنة مع المحتل, وأهملوا أمر الجهاد إهمالا تاما. كما تزامن مع حركة العياشي الذي تزعم قيادة المجاهدين بمنطقة الغرب, وقد ألزم هذا الأخير شيوخ القبائل وأعيانها بظهير يشهدون فيه بتقديمه والتزام طاعته, ومقاتلة من ناوأه, دفعا لشبهة روجها متفيقهة ذالك الوقت, من أنه لا يحل الجهاد إلا مع السلطان. ولحسم هذه الفتنة وقطع دابر هذه الشبهة التي كانت تروجها السلطة آنذاك كان ذلك الاستفتاء. و قد تولى كبار علماء العصر الإجابة على أسئلة العياشي, كالإمام عبد الواحد ابن عاشر, والإمام أبي إسحاق إبراهيم الكلالي, و الإمام أبي عبد الله محمد العربي الفاسي- وكلهم من المالكية- وغيرهم من العلماء. وكتبوا له: (بأن مقاتلة العدو الكافر لا تتوقف على وجود سلطان وإنما جماعة المسلمين تقوم مقامه) كما جاء في الاستقصا [1] . ونص الإمام محمد العربي الفاسي -رحمه الله- كما في المعيار الجديد: (و من المعلوم الواضح أن الجهاد مقصد بالنسبة للإمامة التي هي وسيلة له لكونه في غالب العادات لا يحصل الكمال إلا بها فإذا أمكن حصوله بدونها لم يبق معنى لتوقفه عليها) [2] . ونص-رحمه الله- كذلك على أنه: (لما كان الجهاد حسب ما تقدم غير متوقف على إذن الإمام فهو غير متوقف على وجوده, لأن إقامة الإمام فرض, وإقامة الجهاد فرض أيضا. و لكن تضييع فرض واحد منهما أخف من تضييعهما معا) [3] و قال-رحمه الله- في نفس المرجع: (والذي تشهد له الأدلة أن الجهاد الآن أعظم أجرا من الجهاد مع
(1) الاستقصا [6/ 74]
(2) المعيار الجديد [3/ 7]
(3) نفس المرجع.