تعالى وافعلي! كلاما فيه غلظة، فإذا فعلت ذلك فلا يكلفها أن تحبه، فإن قلبها ليس في يديها.
ولا معنى للهجر في كلام العرب إلا على أحد ثلاثة أوجه: أحدها هجر الرجل كلام الرجل وحديثه، وذلك رفضه وتركه، يقال منه: هجر فلان أهله يهجرها هجرا وهجرانا. والآخر: الإكثار من الكلام بترديد كهيئة كلام الهازئ، يقال منه: هجر فلان في كلامه يهجر هجرا إذا هذى ومدد الكلمة، وما زالت تلك هجيراه وإهجيراه، ومنه قول ذي الرمة:
رمى فأخطأ والأقدار ... غالبة فانصعن والويل هجيراه والحرب
والثالث: هجر البعير إذا ربطه صاحبه بالهجار، وهو حيل يربط في حقويها ورسغها، ومنه قول امرئ القيس:
رأت هلكا بنجاف الغبيط ... فكادت تجد لذاك الهجارا
فأما القول الذي فيه الغلظة والأذى فإنما هو الإهجار، ويقال منه: أهجر فلان في منطقه: إذا قال الهجر وهو الفحش من الكلام، يهجر إهجارا وهجرا. فإذ كان لا وجه للهجر في الكلام إلا أحد المعاني الثلاثة، وكانت المرأة المخوف نشوزها إنما أمر زوجها بوعظها لتنيب إلى طاعته فيما يجب عليها له من موافاته عند دعائه إياها إلى فراشه، فغير جائز أن تكون عظته لذلك، ثم تصير المرأة إلى أمر الله وطاعة زوجها في ذلك، ثم يكون الزوج مأمورا بهجرها في الأمر الذي كانت عظته إياها عليه. وإذ كان ذلك كذلك بطل قول من قال: معنى قوله: {وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ} [سورة النساء 4/ 34] واهجروا جماعهن. أو يكون إذ بطل هذا المعنى. بمعنى: وأهجروا كلامهن بسبب هجرهن مضاجعكم، وذلك أيضا لا وجه له مفهوم لأن الله تعالى ذكره قد أخبر على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم أنه لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث. على أن ذلك لو كان حلالا لم يكن لهجرها في الكلام معنى مفهوم، لأنها إذا كانت عنه منصرفة وعليه ناشزا فمن سرورها أن لا يكلمها ولا يراها ولا تراه، فكيف يؤمر الرجل في حال بغض امرأته إياه وانصرافها عنه بترك ما في تركه سرورها من ترك جماعها ومجاذبتها وتكليمها، وهو