"يجب على ولاة الأمر أن يشجعوا القول المخالف، كما يريدون القول الموافق إذا لم يكن عماد الأمر الهوى المتبع فإنه لا يقتل الشورى والآراء القويمة إلا الرغبة في الموافقة والتململ من المخالفة فإن المخالف يأتي الحاكم بجديد من الفكر ويكون مرشدًا، والموافق يأتيه بما عنده وما ليس بجديد عليه فهو يسمع منه صوتًا ويرجع إليه صداه".
هذا كلام عظيم في الشورى إذ يوجب الأستاذ هنا على الحاكم تشجيع الرأي المخالف فكيف بإخراج الرأي الجديد والفكرة السديدة الغائبة التي هي غاية من غايات الشورى. لا شك أنها تكون أشد وجوبًا ولزومًا ويقول أيضًا:
"عندما تكون الشورى مبدأ للأمة. حكامها وأفرادها فإن هذه الأمة تكون متوجهة للخير في جميع أمورها وتنعكس هذه النتيجة على أوضاعها تقدمًا ورقيًا"..
ومن الكلام الجيد في هذا الصدد أيضًا قول محمود بابللي أن عرض كل أمور الأمة على الشورى من واجبات الحاكم وليست حقًا له لقوله تعالى: -وشاورهم في الأمر- فالنص يوجب على الحاكم أن يستشير في كل أمر للأمة صغر هذا الأمر أو كبر ..
ومعنى أنه واجب على الحاكم أن للأمة أن تطالبه بتنفيذه إذا قصر فيه، أما إذا كانت الشورى حقًا له فعند ذلك يجوز أن يتنازل عن هذا الحق ولا يكون للأمة المطالبة به لأنه من حقه هو، وهذا كلام جيد موفق في هذا الصدد ..
وقد وقفت أيضًا على كلام حسن ما يشبه ما نقلته لك سابقًا من قول عند الأستاذ محمد عزة دروزة في كتابه التفسير الحديث للقرآن الكريم يقول:
"وروح الآية ومضمونها يوجبان على الرئيس والزعيم والحاكم الاستشارة في كل أمر وعزيمة" (ص 173 ج 8) ، وقال أيضًا:"أكد القرآن هذا المبدأ بأسلوب الإيجاب والتنفيذ" (المصدر السابق) .
وقد وقفت على عبارة جليلة للأخ عبدالله العقيل -وهو رجل له مكانته وعلمه- يقول فيها:
"الشورى حق للرعية، واجبة على ولي الأمر وهذا لا يختلف فيه إثنان، ولا تنتطح فيه عنزان .. -المجتمع العدد 43 - ولكن ها نحن نجد من يخالف في الأمور الثابتة المقررة!!."
وبعد -أخي القارئ- لقد أتعبت نفسي أن أجد موافقًا للأخ محمد سلامة من كتاب الإسلام المعاصرين في أن الشورى أمر جائز وأنها حق للإمام إن شاء فعلها وإن شاء تركها فلم أجد وأما بين السلف القدامى فليس إلا رأي الإمام الشافعي وقد قرأت رد الفخر الرازي عليه وكان في منتهى القوة والوضوح وكذلك رد الإمام ابن كثير رحمه الله وكان في منتهى الأدب واللطف ومرة ثانية