الله ظاهره الوجوب وإذا كان واجبًا في حق الرسول فغيره أولى بهذا، ثم يقول له: {فإذا عزمت فتوكل على الله} ولم يبن الله مستند هذا العزم والرأي الأخير الذي يكون عليه العزم هل هو رأي من استشارهم أم رأيه هو بل قال له: {فإذا عزمت} أي على رأي ما ولم ينص ما هذا الرأي هل هو رأي الرسول نفسه بعد الشورى أو رأي من استشارهم. ومن قال هنا أن العزم يكون على رأي الرسول الذي اختاره، ولو كان هو الرأي المخالف لرأي من استشارهم فقد تحكم على القرآن وقال فيه بغير علم وحمل الآية ما لم تحمل.
وقد فسر الرسول صلى الله عليه وسلم الآية عمليًا عندما استشار أصحابه في أحد فأشار جمهورهم بوجوب الخروج للقاء العدو خارج المدينة مخالفين بذلك رأي الرسول صلى الله عليه وسلم ولما أخذ برأيهم خشوا أن يكونوا قد ألزموا الرسول بشيء يكرهه فأرادوا بعد أن لبس الرسول صلى الله عليه وسلم لأمة الحرب ودرعه أن يتنازلوا عن آرائهم فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: [لا يحل لنبي أن يخلع لأمة الحرب بعد إذ لبسها حتى يفصل الله بينه وبين عدوه] وهذا معنى: {فإذا عزمت فتوكل على الله} أي إذا استقر الرأي على أمر فلا يجوز العدول عنه.
وبهذا يتبين أن هذا الدليل لا حجة فيه للقائلين بأن نص في أن الإمام مخير في الأخذ برأي الشورى أو رأي نفسه.
ب- وأما الدليل الثاني وهو الزعم بأن أبا بكر الصديق رضي الله عنه ألزم المسلمين برأيه في حرب المرتدين فهو باطل كل البطلان لأن أبا بكر الصديق لم يلزم المسلمين بشيء على غير إرادتهم ولكنه رأي قتال مانعي الزكاة وإن صلوا وخالفه في هذا جمهور المسلمين كما سلف فناقشهم وأقنعهم أن الزكاة أخت الصلاة ومن منع الزكاة كمن منع الصلاة ولذلك يقول عمر رضي الله عنه وقد كان زعيم هذه المعارضة"فوالله ما رأيت أن الله شرح صدر أبي بكر للقتال حتى علمت أنه الحق"فعمر اقتنع برأي أبي بكر قبل أن يعزم المسلمون على قتال المرتدين ثم جاء الحديث الصحيح الذي قال عبدالله بن عمر موافقًا لرأي أبي بكر وهو قوله صلى الله عليه وسلم: [أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة فإن فعلوا ذلك فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله] (البخاري ومسلم) فالمسلم لا يأمن سيوف المسلمين بنص الحديث حتى يؤدي الصلاة والزكاة بعد أن يكون شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.
ولما وضحت هذه الحجج للمسلمين أخذوا برأي أبي بكر الصديق عن اقتناع وإيمان ولم يكن إذعانًا لرأيه وهم مقتنعون بوجوب الطاعة للإمام فقط وإن خالفهم رأيهم.