فهرس الكتاب

الصفحة 25 من 72

وقد يكون هذا مخالفًا لما دونه علماء السياسة من المسلمين الذين جعلوا من طرق الوصول إلى الحكم التغلب العام (الغلبة) وحيازة الشوكة (والشوكة هي القوة الضابطة للنظام والأمن) وأعطوا الشرعية ووجوب الطاعة لمن توصلوا إلى الحكم والخلافة على هذا النحو.

إلا أن كلامهم هذا ليس في حقيقته إقرارًا لهذا المبدأ، ولكن رضوخًا له في ظروف استثنائية، وهو كما يقولون من باب (ارتكاب أخف الضررين) فالخروج على طاعة الإمام والخليفة الذي جاء إلى الحكم تسلطًا وقهرًا وحاز الشوكة والغلبة أكثر ضررًا من الرضوخ له، وإقراره، وهذا ما جعل بعض كتاب الغرب يتهم الإسلام بمساندة الظلم، وإقرار التسلط. واتهامهم هذا في حقيقته قصور نظر، وعدم إدراك. وليس هذا مجال الرد على هذه الشبهة.

فالمهم هنا إثبات أن المبدأ الأساسي في الظروف الطبيعية الآمنة لاختيار الحاكم هو الشورى، وليس هناك طريق غير ذلك، وإن كان يتجاوز عن هذا المبدأ إذا وصل الحاكم المسلم المنفذ لشرع الله للحكم عن طريق الغلبة وفرض السلطان ويفتي بطاعته ويحرم الخروج عليه، وليس من هذا إقرار لطريقة وصوله إلى الحكم - فالتسلط وفرض السلطان بالقوة مرفوض شرعًا ولكن حقنًا للدماء وارتكابًا لأخف الضررين.

وإذا كانت الشورى هي المبدأ الأساسي لوصول الحاكم إلى الحكم فالواجب أن لا يجعل الواقع التاريخي دليلًا شرعيًا يتبع ويقاس عليه، وذلك أن الواقع التاريخي خاضع تمامًا للظروف والملابسات التي تأخذ مجراها، وتفرض نفسها.

خلافة أبي بكر:

فخلافة أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه كانت خيرًا وبركة على الإسلام والمسلمين، ولم يكن لأبي بكر في الصحابة شبيه أو نظير أو مكافئ في الفضل والسبق والمكانة، والمنزلة، ومع ذلك فالصورة التي اختير بها هذا الصحابي الجليل كانت صورة استثنائية تحفظ لا يقاس عليها لأنها كانت ذات ظرف خاص وملابسات معينة حتمت هذه الصورة للاختيار. وحتى أقدم الدليل على كلامي هذا سأثبت للقارئ الكريم تفسير عمر بن الخطاب رضي الله عنه لهذا الظرف وهذه الملابسات وهذا التفسير لعمر يتضمنه أصح كتاب بعد كتاب الله تبارك وتعالى وهو صحيح البخاري، وقد آثرت أن أنقل هذا الأثر بطوله لما فيه من الفوائد العظيمة التي تتعلق بموضوعنا هذا وبموضوعات أخرى لن تصرفنا عن موضوعنا الأساسي وسنستفيد منها فائدة بليغة إن شاء الله تعالى.

روى البخاري بإسناده إلى ابن عباس قال:- كنت أقرئ رجالًا من المهاجرين منهم عبدالرحمن بن عوف، فبينما أنا في منزله بمنى، وهو عند عمر بن الخطاب في آخر حجة حجها إذا رجع إلي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت