صلى الله عليه وسلم، ومعنى هذا إقرار لمبدأ اختلاف وجهة نظر الناس مع وجهة نظر ولي الأمر، ولم يقل سبحانه وتعالى مثلًا: وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ولا تنازعوهم في شيء، بل اسمعوا لهم وأطيعوا مطلقًا، وذلك أن أولياء الأمور ليسوا بمعصومين لا بمنجاة من الخطأ بل هم معرضون لذلك، وقد يوفق إلى الصواب غيرهم، وهنا كانت القاعدة الربانية للوصول إلى الحق في أمور الاختلاف. وهي رد ما تنوزع فيه إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
ولذلك أعلن الصديق أبو بكر من أول يوم تولى فيه خلافة المسلمين هذا المبدأ"أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم".
وأعلنه عمر بن الخطاب أيضًا رضي الله عنه حيث قال:"إذا أحسنت فأعينوني وإذا أسأت فقوموني"..
وأما المسؤولية أمام الله تبارك وتعالى فقد نص عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله المشهور [كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام راع وهو مسؤول عن رعيته .. ] الحديث.
ومهمة الحاكم في الإسلام مهمة شاقة عسيرة لأنها ذات طرفين: الطرف الأول القيام بشؤون الدين تطبيقًا وتحكيمًا والطرف الثاني القيام بشؤون الدنيا، ورعاية مصالح الأمة في هذه الدار. وأما الحاكم في غير النظام الإسلامي فمهمته دنيوية خالصة لا يضيره عند قومه أن يكون جاهلًا بالدين غير عالم به.
وإذا كانت مهمة الأمير في الإسلام ذات شقين وميدانين، فإن من مقتضيات هذا أن يكون الأمير عالمًا بالدين مجتهدًا فيه، عالمًا بالدنيا ذا رأي وسياسة وحكمة في معرفة شؤونها. وليس هذا بالطبع أمرًا سهلًا ميسورًا، فدراسة الدين دراسة واسعة عظيمة تحتاج إلى اجتهاد وانقطاع وتوفر زمنًا ليس قصيرًا ودراسة الدنيا تحتاج إلى معرفة بأنواع الناس، وعوائدهم، وأفكارهم، وعقائدهم وبسياسات الحرب والسلم، وعلم بالتاريخ ومجاري الأمور وكل هذه الآن علوم عظيمة مستقلة، لا بد من الإلمام بشيء كثير منها لمن يتصدى لمثل هذه الأمور، ومن الجهل والغباء الظن بأن الصحابة والخلفاء رضي الله عنهم قد ساسوا الدنيا وفتحوها ولم يكونوا على علم بهذه الأمور. وليس المجال الآن مجال بيان المدى الذي وصله الخلفاء الراشدون ومن بعدهم من علم ودراية بهذه الأمور الدنيوية ومكان هذا كتب التاريخ والرجال.
هذا المنصب الخطير العظيم، الإمامة العامة للمسلمين ليس هناك من طريق سليم شرعي للوصول إليه إلا طريق الشورى، فالشورى هي النظام الإسلامي الوحيد الذي يأتي عن طريقه الإمام أو الحاكم أو الأمير أو الخليفة كما يحلو لنا أن نسميه.