وأما لماذا لم يعطها رضي الله عنها على سبيل الترضية فمن المعلوم أن العبرة بالحقائق لا بالمسميات، فلو أعطاها من فدك فقد ورثها، ولو فعل ذلك لطالب كل الورثة بأن يعطوا على سبيل الترضية، ثم إنه من المعلوم أن الإنسان لا يجوز له أن يتصرف فيما لا يملك بهبة أو عطية بغير إذن المالك، وأبو بكر لا يملك فدك حتى يتصرف فيها بهبة ونحوها، والنبي صلى الله عليه وسلم بين كيفية التصرف بما خلفه فقال: ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤونة عاملي فهو صدقة. ولا يخالف أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وفاته كما لم يخالفه قبل وفاته، وقد عمل فيها أبو بكر بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم كما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال أيضًا: ولكن أعول من كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعول، وأنفق على من كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفق ... رواه أحمد والترمذي.
وقد كان أبو بكر رضي الله عنه حريصًا على إرضاء فاطمة رضي الله عنها فقد روى البيهقي بسند صحيح عن الشعبي قال: لما مرضت فاطمة رضي الله عنها أتاها أبو بكر الصديق رضي الله عنه فاستأذن عليها فقال علي رضي الله عنه يا فاطمة هذا أبو بكر يستأذن عليك فقالت أتحب أن آذن له، قال: نعم، فأذنت له فدخل عليها يترضاها، وقال: والله ما تركت الدار والمال والأهل والعشيرة إلا ابتغاء مرضاة الله ومرضاة رسوله ومرضاتكم أهل البيت ثم ترضاها حتى رضيت. قال البيهقي: هذا مرسل حسن بإسناد صحيح.
قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري عن هذه القصة ورضى فاطمة عن أبي بكر: وأخلق بالأمر أن يكون كذلك لما علم من وفور عقلها ودينها عليها السلام .... انتهى.
والله أعلم.
[تَارِيخُ الْفَتْوَى]
06 صفر 1429