فأعلم أولًا أن لفظ الشرك يدخل فيه الكفر، ولفظ الكفر يدخل فيه الشرك، وهما سواء من حيث إطلاق اللفظ وما يترتب عليهما من الأحكام، ولا شك أن التكفير حكم شرعي مرده إلى الله تعالى وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم، وليس مرده إلى رغبات الناس وأهوائهم، فمن كفره الله تعالى في كتابه أو كفره رسوله صلى الله عليه وسلم في سنته فهو الكافر، والحكم على الشخص المعين بأنه كافر لا بد له من توفر شروط وانتفاء موانع، فقد يفعل المسلم عملًا كفريًا ولكن لا يحكم عليه بالكفر نظرًا لوجود مانع كالإكراه أو الجهل أو التأويل ونحو ذلك، ولذا قرر أهل العلم أنه لا يحكم على مسلم معين بالكفر لمجرد عمل وقع فيه حتى تقام عليه الحجة التي يكفر مخالفها، وأنه ليس كل من وقع في الكفر وقع الكفر عليه، وأن الحكم على الفعل بأنه كفر لا يلزم منه كفر فاعله، وأقوال العلماء في بيان هذه الضوابط كثيرة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ... وحقيقة الأمر في ذلك أن القول قد يكون كفرًا فيطلق القول بتكفير صاحبه ويقال من قال كذا فهو كافر، لكن الشخص المعين الذي قاله لا يحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها، وهذا كما في نصوص الوعيد فإن الله سبحانه وتعالى يقول: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} ، فهذا ونحوه من نصوص الوعيد حق لكن الشخص المعين لا يشهد عليه بالوعيد فلا يشهد لمعين من أهل القبلة بالنار لجواز أن لا يلحقه الوعيد لفوات شرط أو ثبوت مانع فقد لا يكون التحريم بلغه وقد يتوب من فعل المحرم وقد تكون له حسنات عظيمة تمحو عقوبة ذلك المحرم وقد يبتلى بمصائب تكفر عنه وقد يشفع فيه شفيع مطاع ..