وهذا يطالعه دارس الكتاب في كل موضعٍ منه، بل هو سبب تأليف الكتاب كما صرّح بذلك في مقدمته قائلًا لصاحبه:"إنك كتبتَ إليَّ تعلمني ما وقفتَ عليه من ثلب أهل الكلام أهلَ الحديث وامتهانَهم وإسهابَهم في الكتب بذمِّهم ورميهم بحمل الكذب ورواية المتناقض؛ حتى وقع الاختلاف وكثرت النحل وتقطعت العصم وتعادى المسلمون وأكفر بعضهم بعضًا، وتعلّق كلُّ فريقٍ منهم بمذهبه بجنسٍ من الحديث ..." [ص 3] ، حتى قال:"هذا ما حكيتَ من طعنهم على أصحاب الحديث، وشكوتَ تطاول الأمر بهم على ذلك من غير أن ينضح عنهم ناضحٌ، ويحتجَّ لهذه الأحاديث محتجٌّ، ويتأوّلها متأوِّلٌ؛ حتى أنسوا بالعيب ورضوا بالقذف، وصاروا بالإمساك عن الجواب كالمسلِّمِين وبتلك الأمور معترفين. وتذكر أنك وجدتَ في كتابي المؤلَّف في (غريب الحديث) بابًا ذكرتُ فيه شيئًا من المتناقض عندهم وتأوّلته فأمّلتَ بذلك أن تجد عندي في جميعه مثل الذي وجدته في تلك من الحجج؛ فسألت أن أتكلف ذلك محتسبًا للثواب، فتكلّفته بمبلغ علمي ومقدار طاقتي، وأعدت ما ذكرت وكَتْبِي من هذه الأحاديث ليكون الكتاب تامًا جامعًا للفنّ الذي قصدوا الطعن به" [ص 12 - 13] .
وسواء كانت هذه المقدمة ردًا على صاحبٍ معروفٍ لديه، أو كانت من باب"قفا نبك"على عادة الأدباء؛ فحسب أبي محمد أنه مال إلى أصحاب الحديث، وفضّلهم على أصحاب الكلام والرأي [ص 13 وما بعدها] ؛ وهذا يوضح للدارس كيف كان أدباء ذلك الزمان في سعة