لا شك أنّ أفضل العلوم وأشرفها بعد العلم بكتاب الله تعالى هو علم الحديث، وكيف لا يكون كذلك، والحديث هو كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعله وتقريره، وهو المبين لكلام الله تعالى، والمفسر له، والموضح لمجمله. قال الخطيب البغدادي: إن الحديث يشتمل على معرفة أصول التوحيد، وبيان ما جاء من وجوه الوعد والوعيد، وصفات رب العالمين تعالى عن مقالات الملحدين، والإخبار عن صفة الجنة والناروما أعد الله فيهما للمتقين والفجار، وما خلق الله في الأرضين والسماوات، وصنوف العجائب، وعظيم الآيات، وذكر الملائكة المقربين، ونعت الصافين والمسبحين، وفي الحديث قصص الأنبياء، وأخبار الزهاد والأولياء، ومواعظ البلغاء، وكلام الفقهاء، وسير ملوك العرب والعجم، وأقاصيص المتقدمين من الأمم، وشرح مغازي الرسول صلى الله عليه وسلم وسراياه، وجل أحكامه، وقضاياه وخطبه وعظاته وإعلامه ومعجزاته وعدة أزواجه وأولاده وأصهاره وأصحابه، وذكر فضائلهم ومآثرهم، وشرح أخبارهم ومناقبهم ومبلغ أعمارهم، وبيان أنسابهم، وفيه تفسير القران العظيم، وما فيه من النبأ والذكر الحكيم، وأقاويل الصحابة في الأحكام المحفوظة عنهم، وتسمية من ذهب إلى قول كل واحد منهم من الأئمة الخالفين والفقهاء المجتهدين. [1]
وبعلم الحديث حفظ هذا الدين من كل شائبة ودخيل، ومن أي تحريف أو تبديل، ولولاه لاختلط كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم بكلام غيره، والتبس الحديث الصحيح بالضعيف والموضوع. وقد أحسن الحافظ ابن الصلاح في وصفه إذ قال: هذا وإن علم الحديث من أفضل العلومالفاضلة، وأنفع الفنون النافعة، يحبه ذكور الرجال وفحولتهم، ويُعنى به محققو العلماء وكَمَلَتُهُم، ولا يكرهُهُ من الناس إلا رذالتهم وسفلتهم، وهو أكثر العلوم تولجا في فنونها. لاسيما الفقه الذي هو إنسان عيونها [2] . ولذا
(1) الخطيب، أحمد بن ثابت، شرف أصحاب الحديث، ط 1 (القاهرة، مكتبة ابن تيمية، 1996 م) ،1/ 8
(2) إنسان العين هو حدقة العين، والحدقة أو المسماة (لقزحية) هيحجابمستديرملونخلفالقرنيةيتوسطهثقبيسمىإنسانالعينأوالبؤبؤ. المعجم الوسيط مادة: (حدقة) ، وقال الأزهري: الحدقة هي السواد الأعظم في العين. تهذيب اللغة، مادة: (حدق)