حُكْمُ لَعْنِ الْمُعَينِ:
ربما يستشكل بعض الناس النهي عن اللعن من النصوص الواردة التي نقلناها مع نصوص أخرى فيها اللعن أو الأمر باللعن مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَعَنَ اللَّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ آوَى مُحْدِثًا وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَيْهِ وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ غَيَّرَ الْمَنَارَ» . [1]
وغير ذلك من النصوص ونقول للجمع بين هذه النصوص لعن المعين ولو كان كافرا لا يجوز إلا من لعنه الشارع بعينه مثل إبليس ومثل أبي لهب، أما لعن من اتصف بوصف فيلعن من اتصف بذلك فلا حرج في ذلك كأن يقول لعنة الله على الظالمين، أو لعن الله اليهود، لأن اللعن قد ورد في حقهم.
قال النووي: اتفق العلماء على تحريم اللعن فانه في اللغة الإبعاد والطرد وفى الشرع الإبعاد من رحمة الله تعالى فلا يجوز أن يبعد من رحمة الله تعالى من لا يعرف حاله وخاتمة أمره معرفة قطعية فلهذا قالوا لا يجوز لعن أحد بعينه مسلمًا كان أوكافرًا أو دابةً إلا من علمنا بنص شرعي أنه مات على الكفر أو يموت عليه كأبي جهل وإبليس، وأما اللعن بالوصف فليس بحرام كلعن الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة، وآكل الربا وموكله، والمصورين والظالمين والفاسقين والكافرين، ولعن من غير منار الأرض، ومن تولى غير مواليه، ومن انتسب إلى غير أبيه، ومن أحدث في الإسلام حدثًا أو آوى محدثًا، وغير ذلك مما جاءت به النصوص الشرعية بإطلاقه على الأوصاف لا على الأعيان والله اعلم. [2]
لا تسبن أحدًا ولو كان ظالمًا:
سَمِعَ ابْنُ سِيرِينَ رَجُلًا يَسُبُّ الْحَجَّاجَ، فَقَالَ:"مَهْ أَيُّهَا الرَّجُلُ، إِنَّكَ لَوْ وَافَيْتَ الْآخِرَةَ كَانَ أَصْغَرُ ذَنْبٍ عَمِلْتَهُ قَطُّ أَعْظَمَ عَلَيْكَ مِنْ أَعْظَمِ ذَنْبٍ عَمَلُهُ الْحَجَّاجُ، وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ حَكَمٌ عَدْلٌ، إِنْ أَخَذَ مِنَ الْحَجَّاجِ لِمَنْ ظَلَمَهُ شَيْئًا فَشَيْئًا أَخَذَ لِلْحَجَّاجِ مِمَّنْ ظَلَمَهُ فَلَا تَشْغَلَنَّ نَفْسَكَ بِسَبِّ أَحَدٍ". [3]
قَالَ زُهَيْرٌ:
ومَنْ يَجْعَل المَعْروفَ مِنْ دُونِ عِرضِهِ ... = ... يَفَرْهُ، ومَنْ لَا يَتَّقي الشَّتْمَ يُشْتَم
وَقَالَ مالِكُ بنُ الرَّيْبِ:
وقد كُنْتُ محمودًا لدى الزّاد والقِرَى ... = ... وعنْ شَتْمِ ابنِ العَمّ وَالجارِ وانِيا
(1) - رواه مسلم- عن علي رضي الله عنه، كتاب الأضاحي، باب تحريم الذبح لغير الله تعالى ولعن فاعله - حديث: 3752
(2) - شرح النووي على مسلم - 2/ 67
(3) - شعب الإيمان - رضي الله عنه 9/ 57)