فذكر الله تعالى هو غذاء القلب، ومصدر قوته، وترياقه الشافي له من الشهوات والشبهات، وبل هو حياة القلب، فإذا انقطع ذلك عنه ضعف القلب وتمكنت منه أمراض الشهوات والشبهات فقسى، فاستحق البعد عن رحمة الله تعالى، أعاذنا الله من الخزي والخذلان.
وروى مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ كَانَ: «يَقُولُ لَا تُكْثِرُوا الْكَلَامَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ فَتَقْسُوَ قُلُوبُكُمْ فَإِنَّ الْقَلْبَ الْقَاسِيَ بَعِيدٌ مِنْ اللَّهِ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ. وَلَا تَنْظُرُوا فِي ذُنُوبِ النَّاسِ كَأَنَّكُمْ أَرْبَابٌ وَانْظُرُوا فِي ذُنُوبِكُمْ كَأَنَّكُمْ عَبِيدٌ فَإِنَّمَا النَّاسُ مُبْتَلًى وَمُعَافًى فَارْحَمُوا أَهْلَ الْبَلَاءِ وَاحْمَدُوا اللَّهَ عَلَى الْعَافِيَةِ» . [1]
الثَّرْثَرَةُ من صفات المنافقين:
فإذا كانت الثرثرة مشتملة على السخرية والاستهزاء بشيء من الشرع أو بالمؤمنين فإن ذلك دليل على النفاق وسوء الطوية.
قال تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ} . [2]
وقال تعالى: {إِنّ الّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ} . [3]
وقد أثنى الله تعالى على من أعرض عن اللغو وأخبر أن الإعراض عنه من صفات المؤمنين، قال الله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ} . [4]
وقال الله تعالى: {فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (11) الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ} . [5]
عَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوْصِنِي، قَالَ: أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ فَإِنَّهَا رَأْسُ أَمْرِكَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ زِدْنِي قَالَ: عَلَيْكَ بِتِلاوَةِ الْقُرْآنِ وَذِكْرِ اللَّهِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَكَ نُورٌ فِي السَّمَاوَاتِ وَنَورٌ فِي الأَرْضِ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ زِدْنِي قَالَ: لا تُكْثِرِ الضَّحِكِ فَإِنَّهُ يُمِيتُ الْقَلْبَ وَيُذْهِبُ نُورَ الْوَجْهِ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ زِدْنِي قَالَ: عَلَيْكَ بِالْجِهَادِ فَإِنَّهُ رَهْبَانِيَّةُ أُمَّتِي، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ زِدْنِي قَالَ: عَلَيْكَ بِالصَّمْتِ إِلا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّهُ مَرَدَّةٌ لِلشَّيْطَانِ عَنْكَ وَعَوْنٌ لَكَ عَلَى أَمْرِ دِينِكَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ زِدْنِي قَالَ: انْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ دُونَكَ وَلا تَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكَ فَإِنَّهُ أَجْدَرُ أَنْ لا تَزْدَرِي نِعْمَةَ اللَّهِ عِنْدَكَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ زِدْنِي، قَالَ: صِلْ قَرَابَتَكَ وَإِنْ قَطَعُوكَ، قُلْتُ:
(1) - رواه مالك في الموطأ- كتاب الكلام، باب ما يكره من الكلام بغير ذكر الله- حديث: 1797، والبيهقي في شعب الإيمان - فصل في فضل السكوت عن كل ما لا يعنيه، حديث: 4730، بسند ضعيف
(2) - سورة التوبة الآية /65
(3) - سورة المطففين: الآية/29،30
(4) - سورة المؤمنون الآية / 1: 3
(5) - سورة الطور: الآية / 11، 12