فهرس الكتاب

الصفحة 122 من 167

قال الزين بن المنير: وجه الاستدلال من الآية أن الله تعالى شبه مقارنة المن والأذى للصدقة أو إتباعها بذلك بإنفاق الكافر المرائي الذي لا يجد بين يديه شيئًا منه، ومقارنة الرياء من المسلم لصدقته أقبح من مقارنة الإيذاء وأولى أن يشبه بإنفاق الكافر المرائي في إبطال إنفاقه.

وقال القرطبي: قال جمهور العلماء في هذه الآية: إن الصدقة التي يعلم الله من صاحبها أنه يمن أو يؤذي بها فإنها لا تقبل، وقيل: بل قد جعل الله للملك عليها أمارة فهو لا يكتبها، وهذا حسن. والعرب تقول لما يمن به: يد سوداء، ولما يعطى عن غير مسألة: يد بيضاء. ولما يعطى عن مسألة: يد خضراء.

وقال بعض البلغاء: من مَنَّ بمعروفه سقط شكره، ومن أعجب بعمله حبط أجره.

وقال بعض الشعراء:

وصاحب سلفت منه إلي يد ... = ... أبطا عليه مكافاتي فعاداني

لما تيقن أن الدهر حاربني ... = ... أبدى الندامة فيما كان أولاني

وقال أبو بكر الوراق فأحسن:

أحسن من كل حسن ... = ... في كل وقت وزمن

صنيعة مربوبة ... = ... خالية من المنن

وسمع ابن سيرين رجلا يقول لرجل: وفعلت إِلَيْكَ وَفَعَلْتُ! فَقَالَ لَهُ: اسْكُتْ فَلَا خَيْرَ فِي الْمَعْرُوفِ، إِذَا أُحْصِيَ. [1]

وقال سفيان والمفضّل في قوله: {منًّا ولا أذىً} هو أن يقول أعطيتك فما شكرت.

وقال الضحاك: أن لا ينفق الرجل ماله خير من أن ينفقه ثم يتّبعه منًا وأذىً.

وقال القرطبي: مَثَّلَ اللَّهُ تَعَالَى الَّذِي يَمُنُّ وَيُؤْذِي بِصَدَقَتِهِ بِالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ لَا لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى، وَبِالْكَافِرِ الَّذِي يُنْفِقُ لِيُقَالَ جَوَّادٌ وَلِيُثْنَى عَلَيْهِ بِأَنْوَاعِ الثَّنَاءِ. ثُمَّ مَثَّلَ هَذَا الْمُنْفِقَ أَيْضًا بِصَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَيَظُنُّهُ الظَّانُّ أَرْضًا مُنْبِتَةً طَيِّبَةً، فَإِذَا أَصَابَهُ وَابِلٌ مِنَ الْمَطَرِ أَذْهَبَ عَنْهُ التُّرَابَ وَبَقِيَ صَلْدًا، فَكَذَلِكَ هَذَا الْمُرَائِي. فَالْمَنُّ وَالْأَذَى وَالرِّيَاءُ تَكْشِفُ عَنِ النِّيَّةِ فِي الْآخِرَةِ فَتَبْطُلُ الصَّدَقَةُ كَمَا يَكْشِفُ الْوَابِلُ عَنِ الصَّفْوَانِ، وَهُوَ الْحَجَرُ الْكَبِيرُ الْأَمْلَسُ. [2]

قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: وَكَانَ أَبِي يَقُولُ: «إِنْ أُذِنَ لَكَ أَنْ تُعْطِيَ مِنْ هَذَا شَيْئًا، أَوْ تَقْوَى فَقَوَّيْتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَظَنَنْتَ أَنَّهُ يَثْقُلُ عَلَيْهِ سَلَامُكَ فَكُفَّ سَلَامَكَ عَنْهُ» قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: «فَهُوَ خَيْرٌ مِنَ السَّلَامِ» .

(1) - تفسير القرطبي - رضي الله عنه 3/ 312)

(2) - تفسير القرطبي - رضي الله عنه 3/ 312)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت