من المعاصرين اتَّكأ عليها في ردِّ تلك الأحاديث المحْكمة، لما سمحتُ لنفسي أن أُسوِّد الصفحات في سبيل الجواب عنها، وبينَّا بطلانها والكلام عليها من وجهين:
الأول: ردُّ ثبوت البناء المزعوم من أصله؛ لأنه ليس له إسناد تَقوم الحُجة به، ولم يروه أصحاب"الصحاح"، و"السنن"، و"المسانيد"وغيرهم؛ وإنما أورده ابن عبدالبر في ترجمة أبي بصير من"الاستيعاب" (4/ 2123) مرسلًا، فقال: وله قصة في المغازي عجيبة، ذكَرها ابن إسحاق وغيره، وقد رواها معمر عن ابن شهاب، ذكر عبدالرزاق عن معمر عن ابن شهاب في قصة عام الحديبية، قال: ثم رجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجاءه أبو بصير - رجل من قريش - وهو مسلم، فأرسلتْ قريشٌ في طلبه رجلينِ، فقالا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم: العهد الذي جعلتَ لنا أن تردَّ إلينا كلَّ من جاءك مسلمًا، فدفعه النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الرجلين، فخرجا حتى بلغا ذا الحليفة، فنزلوا يأكلون من تمر لهم، فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله إني لأرى سيفك هذا جيد يا فلان، فاستلَّه الآخر وقال: أجل، والله إنه لجيد، لقد جربت به ثم جربت، فقال له أبو بصير: أرني انظر إليه، فأمْكَنه منه، فضربه حتى بَرَد، وفرَّ الآخر حتى أتى المدينة، فدخل المسجد يعدو، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - حين رآه: (( لقد رأى هذا ذعرًا ) )، فلما انتهى إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: قتل والله صاحبي، وإني لمقتول، فجاء أبو بصير فقال: يا رسول الله، قد واللهِ وفى اللهُ ذمتك، قد رددتني إليهم، فأنجاني الله منهم، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: (( ويلُ أمِّه، مِسْعَرَ حَرْبٍ لو كان معه أحد ) )، فلما سمع ذلك علِم أنه سيرده إليهم، فخرج حتى أتى سيف البحر، قال: وانفلت منهم أبو جندل بن سهيل بن عمرو، فلحق بأبي بصير ... وذكر موسى بن عقبة هذا الخبر في أبي بصير بأتم ألفاظًا وأكمل سياقًا، قال: ... وكتب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أبي جندل وأبي بصير ليقدما عليه ومن معهما من المسلمين، فقدم كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أبي جندل وأبو بصير يموت، فمات وكتابُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيده يقرؤه، فدفنه أبو جندل مكانه، وصلى عليه، وبنى على قبره مسجدًا"."
قلت: فأنت ترى أن هذه القصة مدارُها على الزهري؛ فهي مرسلة، على اعتبار أنه تابعي صغير، سمع من أنس بن مالك - رضي الله عنه - وإلا فهي معضلة، وكيف ما كان الأمر فلا تقوم بها حجة، على أن موضع الشاهد منها - وهو قوله:"وبنى على قبره مسجدًا"- لا يظهر من سياق ابن عبدالبر للقصة أنه من مرسل الزهري، ولا من رواية عبدالرزاق عن معمر عنه؛ بل