فهرس الكتاب

الصفحة 92 من 150

من المعاصرين اتَّكأ عليها في ردِّ تلك الأحاديث المحْكمة، لما سمحتُ لنفسي أن أُسوِّد الصفحات في سبيل الجواب عنها، وبينَّا بطلانها والكلام عليها من وجهين:

الأول: ردُّ ثبوت البناء المزعوم من أصله؛ لأنه ليس له إسناد تَقوم الحُجة به، ولم يروه أصحاب"الصحاح"، و"السنن"، و"المسانيد"وغيرهم؛ وإنما أورده ابن عبدالبر في ترجمة أبي بصير من"الاستيعاب" (4/ 2123) مرسلًا، فقال: وله قصة في المغازي عجيبة، ذكَرها ابن إسحاق وغيره، وقد رواها معمر عن ابن شهاب، ذكر عبدالرزاق عن معمر عن ابن شهاب في قصة عام الحديبية، قال: ثم رجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجاءه أبو بصير - رجل من قريش - وهو مسلم، فأرسلتْ قريشٌ في طلبه رجلينِ، فقالا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم: العهد الذي جعلتَ لنا أن تردَّ إلينا كلَّ من جاءك مسلمًا، فدفعه النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الرجلين، فخرجا حتى بلغا ذا الحليفة، فنزلوا يأكلون من تمر لهم، فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله إني لأرى سيفك هذا جيد يا فلان، فاستلَّه الآخر وقال: أجل، والله إنه لجيد، لقد جربت به ثم جربت، فقال له أبو بصير: أرني انظر إليه، فأمْكَنه منه، فضربه حتى بَرَد، وفرَّ الآخر حتى أتى المدينة، فدخل المسجد يعدو، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - حين رآه: (( لقد رأى هذا ذعرًا ) )، فلما انتهى إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: قتل والله صاحبي، وإني لمقتول، فجاء أبو بصير فقال: يا رسول الله، قد واللهِ وفى اللهُ ذمتك، قد رددتني إليهم، فأنجاني الله منهم، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: (( ويلُ أمِّه، مِسْعَرَ حَرْبٍ لو كان معه أحد ) )، فلما سمع ذلك علِم أنه سيرده إليهم، فخرج حتى أتى سيف البحر، قال: وانفلت منهم أبو جندل بن سهيل بن عمرو، فلحق بأبي بصير ... وذكر موسى بن عقبة هذا الخبر في أبي بصير بأتم ألفاظًا وأكمل سياقًا، قال: ... وكتب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أبي جندل وأبي بصير ليقدما عليه ومن معهما من المسلمين، فقدم كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أبي جندل وأبو بصير يموت، فمات وكتابُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيده يقرؤه، فدفنه أبو جندل مكانه، وصلى عليه، وبنى على قبره مسجدًا"."

قلت: فأنت ترى أن هذه القصة مدارُها على الزهري؛ فهي مرسلة، على اعتبار أنه تابعي صغير، سمع من أنس بن مالك - رضي الله عنه - وإلا فهي معضلة، وكيف ما كان الأمر فلا تقوم بها حجة، على أن موضع الشاهد منها - وهو قوله:"وبنى على قبره مسجدًا"- لا يظهر من سياق ابن عبدالبر للقصة أنه من مرسل الزهري، ولا من رواية عبدالرزاق عن معمر عنه؛ بل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت